
حرب إيران وإستنزاف الأسلحة الأكثر قيمة في الترسانة الأميركية

على ما يبدو أنّ إستنزاف الأسلحة الأميركية الأكثر تقدماً والمُخصصة لمواجهة الصين أرغم الولايات المتحدة على التعجيل بوقف الحرب خشية المزيد من الهدر وصعوبة الإستبدال خلال السنوات القليلة القادمة
عكست حرب إيران التصورات الخاطئة بأن كسب الحروب بسرعة من خلال أسلحة متقدمة تصور غير صحيح وإفتراض مُضلل وربما أنّ هذا التصور الذي إنتشر لعقود طويلة هو ما كان يدفع بإتجاه عدم إنتاج حجم كبير من الأسلحة التقليدية بإعتبار أن الحروب يمكن كسبها بأسلحة أكثر تقدماً (يُمكن مراجعة مقالنا حول (معضلة عدم التناسب بين الأسلحة المتطورة والحروب متوسطة الحجم). فخلال العقود الثلاث الماضية ونتيجة لتغير المناخ السياسي العالمي وزوال تهديدات الحروب الكُبرى والثورة التي أحدثتها التكنولوجيا في الميدان العسكري، نجد أنّ تغييراً مُماثلاً حدث في أولويات الإنفاق الأميركي على التسلح والذي على ما يبدو تركز فقط على مُقاوليين دفاعيين محدودي العدد ويُنتجون أسلحة متطورة للغاية وباهضة الكُلفة وكانت تُنتج بكميات محدودة. وسبب إنتاجها بكميات محدودة، أنّه على الرغم من ضخامة ميزانية البنتاغون، إلا أنّ ما يقرب من 17% إلى 20% من الميزانية الضخمة مُخصصة لشراء معدات وأسلحة جديدة، مع 16% إلى 17% أخرى تركز على البحث والتطوير، ويخصص 3.5% فقط من ميزانية البنتاغون للإستثمارات في الصواريخ والذخائر.
يتم إستهلاك الغالبية العظمى من الأموال للحفاظ على القوات الموجودة، حيث تُخصص غالبية ميزانية الدفاع لتشغيل وصيانة القوات الحالية وتكاليف الأفراد المتزايدة والتي تشمل المعاشات التقاعدية وجزءاً كبيراً من نظام الرعاية الصحية العسكرية. ونتيجةً للإستخدام المُكثف للأسلحة وعدم القدرة على تعويضها بسرعة كافية، أصبح البنتاغون يُخرج المعدات القديمة من الخدمة بوتيرة أسرع من شراء المعدات الجديدة، ناهيك عن التأخيرات المتكررة في تلبية طلبات الشراء، حيث ترقد غواصات وسفن نصف مكتملة، متأخرة عن الجدول الزمني لسنوات، في أحواض بناء السفن في أنحاء البلاد.
لم تُبين حرب إيران مستوى الدرجة الحرجة الذي تعرضت له مخزونات الولايات المتحدة من أسلحة مُعنية سيما الصواريخ الإعتراضية والأسلحة المتقدمة فحسب، بقدر ما أظهرت أن التصورات الإفتراضية التي يتم مُحاكاتها في ألعاب حربية غالباً ما لا تعكس الحجم الحقيقي الذي يتم إستهلاكه من الأسلحة في حرب فعلية.
في مطلع عام 2023، أجرى مركز الدراسات الإستراتيجية والدولية (CSIS) ضمن برنامج مُصمم بعناية، مُباراة حربية إفتراضية لمحاكاة غزو برمائي صيني لتايوان عام 2026، وتم إجراءها 24 مرة في سيناريوهات متنوعة وفي ظروف مختلفة. ورغم نجاة تايوان ككيان مستقل في معظم السيناريوهات، إلا أنّ الخسائر التي تكبدتها الولايات المتحدة وتايوان واليابان كانت فادحة. وشملت النتائج المستخلصة من المحاكاة الـ24 عن مُخرجات مختلطة مثل ضُعف السفن السطحية، وخسائر هائلة تكبدتها طائرات التحالف على الأرض، مثلما كشفت عن فعالية الصواريخ المضادة للسفن بعيدة المدى، والأهمية البالغة للقوات البرية التايوانية، وأهمية الحاجة إلى الوصول إلى قواعد في اليابان لدعم العمليات الحربية.
في سيناريوهات الحرب هذه التي تم إجراءاها عبر المُحاكاة وفي أكثر من 20 نسخة منها، إستهلكت الولايات المتحدة أكثر من 5 ألف صاروخ بعيد المدى في ثلاثة أسابيع فقط من الصراع كانت موزعة حسب تقديرات مركز الدراسات الإستراتيجية والدولية (CSIS) كالتالي: أكثر من 4000 صاروخ جو أرض Air-to-Surface Missiles، 450 صاروخ طويل المدى مُضاد للسفن Long-Range Anti-Ship Missiles، 400 صاروخ مُضاد للسفن من فئة Harpoon، 400 صاروخ من فئة Tomahawk. علماً أنّه في حرب إيران، إستهلكت الولايات المتحدة من صواريخ توماهوك أكثر مما تخيلته ألعاب الحرب الإفتراضية.
بالتأكيد أن المحاكاة ليست مثل الواقع وأنّه من الصعب عند إندلاع الحرب توقع الطريقة التي ستسير بها أو النهاية التي ستصل إليها. يبدو قول كارل فون كلاوزفيتز Carl von Clausewitz معبراً جداً عن هذه الحقيقة: "الحرب مجال للغموض؛ ثلاثة أرباع الأمور التي تُبنى عليها العمليات الحربية تكمن في ضباب من الغموض بدرجة أو بأخرى". وعلى ما يبدو أنّ السيناريوهات مهما كانت على درجة عالية من الإحاطة بمختلف الظروف التشغيلية في البيئة العملياتية إلا أنه من المتوقع أن يشوبها القصور لا سيما في الكشف عن حجم الإستهلاك الحقيقي من الأسلحة. وعلى الرغم من أنّ الحرب الإفتراضية مع الصين كشفت عن إستهلاك غير معقول من الأسلحة إلا أنّ الولايات المتحدة لم تعتقد بالحاجة لتوسيع قاعدة الإنتاج الدفاعي مع أنّ إجراء هذه المُحاكاة تم بعد عام ونصف من إندلاع حرب أوكرانيا التي كشفت عن واقع الحرب الذي كان يتجاهله الكثير من المُخططين العسكريين، في أنّها تستهلك الكثير من الأسلحة والمُعدات والذخائر، لا سيما الذخائر التي تصورت الجيوش الحديثة أن المعارك ما عادت بحاجة إليها.
البدء بحرب صغيرة والإقتراب من حرب متوسطة
مع إندلاع حرب إيران، وجدت الولايات المتحدة نفسها في مواجهة حقيقة صادمة لا تتعلق بالكُلف المادية المُترتبة على إستخدام أسلحة باهضة الثمن، بل أنّ حجم الأسلحة والذخائر التي إستنزفتها أكبر من القدرة على تعويضها بسرعة وبكفاءة. سابقاً وقبل إندلاع الحرب، كان المُخططين العسكريين على قدر من الثقة في تجاهل النقص الذي بدأ يتسرب إلى المخزون من الذخائر والصواريخ نتيجة حرب أوكرانيا بإعتبار أنّه لا يؤثر على القدرة العسكرية للولايات المتحدة مثلما تجاهلوا أوجه القصور الكبيرة في قدرة القاعدة الصناعية الدفاعية الأميركية على تعويضها. أما في حرب إيران، على ما يبدو أنّ السياسيين كانوا على درجة من الثقة بحيث تصوروا أن نقص المخزون لا يؤثر في قدرتهم على خوض حرب جديدة يُمكن كسبها بسرعة.
دخلت الولايات المتحدة الحرب على إيران بكل قوتها وهيمنت بعض أغلى الأسلحة في الترسانة الأمريكية على الساعات الأولى من الحرب. فوفقاً لتحليل معهد أبحاث السياسة الخارجية (FPRI)، أنّ الحرب التي أطلقت عليها الولايات المتحدة عملية "الغضب الملحمي Epic Fury" تُعد "أكثر حملة جوية إفتتاحية كثافة في التاريخ الحديث"، متجاوزةً بذلك الأيام الثلاثة الأولى من قصف الناتو لليبيا عام 2011. كان هذا العرض الملحمي مع الإستنزاف الكبير مقصوداً ويُراد به دفع إيران للإستسلام بسرعة وتحقيق الهدف بقوة نارية كثيفة ولفترة قصيرة. فخلال الساعات الست والثلاثون الأولى من الحرب، أي في يوم ونصف، تم إستهلاك أكثر من 3000 قطعة ذخيرة من الأسلحة الأميركية والإسرائيلية عبارة عن ذخائر موجهة بدقة وصواريخ إعتراضية. إنّ جزء كبير من هذا الإستهلاك مرده أنّ الولايات المتحدة لم تستخدم فقط قوة هجومية فائقة بل أن طبيعة الرد الإيراني غير المتوقع دفع الولايات المتحدة إلى إستنزاف جزء كبير من أسلحتها الدفاعية. إذ أطلقت إيران في اليوم الأول من الحرب ما يُقارب 380 صاروخ باليستي و700 طائرة مُسيرة من طراز شاهد-136، وخلال الأيام الثلاث الأولى، أطلقت إيران 2500 صاروخاً وطائرة بدون طيار، وهو ما تطلب من الولايات المتحدة تشغيل منظوماتها الدفاعية في دول الخليج بشكل إستنزافي بحيث بلغت كُلفة الدفاع الجوي في هذه الأيام ما يقدر بنحو 5.7 مليار دولار للصواريخ الاعتراضية مثل نظام الدفاع الجوي للارتفاعات العالية (THAAD).
لم تبين حرب إيران مستوى الدرجة الحرجة الذي تعرضت له مخزونات الولايات المتحدة من أسلحة مُعينة، بقدر ما أظهرت أن التصورات الإفتراضية التي يتم مُحاكاتها في ألعاب حربية غالباً ما لا تعكس الحجم الحقيقي الذي يتم إستهلاكه من الأسلحة في حرب فعلية
ووفقاً لتقديرات معهد باين للسياسات العامة Payne Institute for Public Policy، إستخدمت الولايات المتحدة أكثر من 5000 قنبلة وصاروخ موجه وصواريخ اعتراضية بقيمة 16 مليار دولار في الأيام الأربعة الأولى من حربها على إيران، أي في 96 ساعة فقط. وبعد ستة أيام من الحرب، استخدمت الولايات المتحدة أكثر من 300 صاروخ توماهوك، علماً أن كُلفة الصاروخ الواحد تزيد عن 3 مليون دولار. وكانت المخزونات منخفضة بالفعل عندما أطلقت الولايات المتحدة ما يقدر بنحو 140 صاروخاً اعتراضياً من طراز باتريوت PAC-3 MSE وأكثر من 150 صاروخاً اعتراضياً من طراز THAAD في الأسبوع الأول من الحرب. علماً أنّه سبق أنّ تم إستنفاد ربع مخزون نظام THAAD في البلاد أثناء الدفاع عن إسرائيل ضد الضربات الإيرانية في عام 2025.
وخلال الأيام الستة عشر الأولى من النزاع، إستهلكت الولايات المتحدة 11,294 قذيفة بتكلفة بلغت حوالي 26 مليار دولار أمريكي. وبحسب ما أشارت إليه تقديرات مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية (CSIS)، أطلقت الولايات المتحدة نحو 850 صاروخاً من طراز توماهوك Tomahawk في الشهر الأول من حرب إيران، وهو عدد أكبر مما أطلقته في أي حملة عسكرية أخرى في التاريخ. لقد سبق أن إستخدمت الولايات المتحدة 802 صاروخاً من هذا النوع في حرب العراق 2003، و325 صاروخاً في عملية ثعلب الصحراء ضد العراق عام 1998، و288 صاروخاً في عملية عاصفة الصحراء 1991، و199 صاروخ في عملية فجر أوديسيا Odyssey Dawn في ليبيا عام 2011.
لقد سبق للبحرية الأميركية أن إشترت ما يقرب من 9000 صاروخ طوال عمر البرنامج الصاروخي الذي بدأ منذ عام 1980، لكن الآلاف من هذه الإصدارات المبكرة أصبحت الآن قديمة ومتقاعدة كونها باتت أقل تقدماً مما تم صناعته لاحقاً. وإن الإعتماد الكبير عليها في حرب إيران بدأ يضغط على الولايات المتحدة في إجراء مناقشات حول كيفية تعويض ما يتم إستنزافه من خلال نقل بعضها من مناطق أخرى في العالم، بما في ذلك منطقة المحيطين الهندي والهادئ، وبذل جهد منسق طويل الأمد لبناء المزيد منها، فضلاً عن تأجيل تزويد دول أخرى بها، مثلما حدث مع أوكرانيا عندما قرر الرئيس دونالد ترامب في نهاية عام 2025 عدم بيع أوكرانيا صواريخ توماهوك من مخزون الولايات المتحدة، ليس بدافع عدم الرغبة في تصعيد الصراع مع الرئيس الروسي، بل بسبب قلق البنتاغون من إستنزاف الكثير منها وعدم بقاء ما يكفي لردع الصين في منطقة المحيط الهادئ.
وبحسب تقديرات معهد باين Payne ، الذين تابع محللوه عمليات تبادل الأسلحة اليومية للصراع في الشرق الأوسط. واستناداً إلى البيانات المتاحة حول مخزونات ما قبل الحرب، قدّر المركز أن الولايات المتحدة خسرت ما يقرب من 46% من أنظمة صواريخها التكتيكية (ATACMS)، وهي صواريخ أرض-أرض مصممة لضرب أهداف بالغة الأهمية ويبلغ مداها 300 كيلومتر. وقدّر المعهد أيضاً إنخفاضاً ملحوظاً في إمدادات أنظمة صواريخ الدفاع الجوي للطبقات عالية الإرتفاع (THAAD)، التي تستخدمها الولايات المتحدة وحلفاؤها في المنطقة للدفاع ضد الصواريخ الإيرانية.
بحسب تقديرات معهد Payne، أنّ الولايات المتحدة خسرت ما يقرب من 46% من مخزونها من الصواريخ التكتيكية، كما شهدت إنخفاضاَ ملحوظاً في إمدادات أنظمة صواريخ الدفاع الجوي للطبقات عالية الإرتفاع
مشكلة إستنزاف المخزون الإستراتيجي من الأسلحة
لعل أكثر ما سببته هذه الحرب من صعوبات للجيش الأمريكي، أنّه بعد شهر على بدء الصراع، بات على بعد شهر تقريباً، أو أقل، من نفاد صواريخ الهجوم الأرضي ATACMS/PrSM وصواريخ THAAD الإعتراضية، بينما كانت إسرائيل تواجه موقف أكثر خطورة، حيث من المرجح أن تنفد صواريخها الإعتراضية من طراز Arrow بالكامل خلال أشهر قصيرة. وفي حل إستمرت الحرب كان من المتوقع أن يتم التعويض بإستخدام ذخائر أخرى أقل دقة وهو ما يعني قبول مخاطر أكبر بإختراق طبقات الدفاع الجوي والتسامح مع المزيد من الصواريخ والطائرات بدون طيار التي بمقدورها أن تصل إلى الأهداف والبُنى التحتية.
إنّ الدرجة الحرجة التي بلغها مخزون الأسلحة الأميركية يُمكن أن تُفسر لنا السبب وراء اقتراح الرئيس ترامب العمل بسرعة على "إنهاء" الحرب مع إيران، لأنّ الأمر سيستغرق سنوات لإستبدال ما تم إنفاقه خلال أسابيع الصراع وإعادة ملء بعض مخزونات الذخائر الأمريكية المتضائلة أصلًا، في ظل إستمرار الجيش والقوات الجوية والبحرية في إستهلاك الذخائر. وهذا الأمر لا يتعلق بتخصيص الأموال فحسب، بل الوقت اللازم لصنعها والتحديات التي تواجهها الشركات في الحصول على المواد اللازمة من مناجم دول مثل الصين، ما يعني أن قيود سلاسل الإمداد العالمية تفرض ضغوط هائلة على إعادة تجديد مخزونات السلاح. وعلى حد تعليق مركز (RUSI) أنّه إذا كانت الحرب في أوكرانيا بمثابة جرس إنذار للقاعدة الصناعية الدفاعية الغربية، فإن الأيام الستة عشر الأولى من حرب إيران كانت بمثابة جرس إنذار ينذر بأزمة صمود. فقد كشف الاستهلاك المُكثف للذخائر المتطورة خلال الحرب عن نقطة ضعف خطيرة: عدم التناسب بين الإستهلاك والإستبدال. بمعنى لا توجد القدرة الكافية على إستبدال الذخائر المُستهلكة بسرعة كافية، بسبب من أنّ معدل إنتاج القاعدة الصناعية الغربية لا يُواكب معدل الإستنزاف.
وبحسب دراسة أعدها مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية (CSIS) عام 2021، أنّ إستبدال مخزونات برنامج إقتناء الدفاع الرئيسي يستغرق ما معدله 4-8 سنوات في ظل معدلات الإنتاج المرتفعة. وتواجه الصواريخ والأنظمة الفضائية وبناء السفن فترات إستبدال أطول، وقد يستغرق إنتاج بعض أنواع الصواريخ، مثل صاروخ PAC-2، وهي إحدى صواريخ منظومة باتريوت للدفاع الجوي، وصواريخ توماهوك عامين تقريباً. كل سلاح تم إطلاقه يحتاج إلى إستبدال، وإنشاء هذا الإستبدال يتطلب سلسلة تمتد من المواد الخام، مروراً بالتكرير والمعالجة، إلى المكونات المتخصصة، وأخيراً إلى خطوط الإنتاج المعتمدة. ولا تكمن الاختناقات Bottlenecks دائماً في الأماكن التي يخشاها السياسيون مثل سيطرة الصين على موارد الإنتاج، بل الأسوء بالنسبة للولايات المتحدة أنّ أضيق النقاط غالباً ما تكون في زوايا غامضة: مورد من الطبقة الفرعية بقدرات محدودة، مصدر مكثف يعتمد على مجموعة ضيقة من المدخلات، نظام بيئي بمحرك صاروخي لا يمكن أن يتوسع دون سنوات من بناء المصنع.
بهذا الشكل، لا يتطلب تعويض ما تم إستهلاكه زيادة الإنتاج على نطاق واسع فحسب، بل يتطلب أيضاً كميات كبيرة من معادن ومواد مُحددة تسيطر الصين على معظم إمداداتها مثل معدن الغاليوم Gallium، وهي مادة تسيطر الصين على 98% من إمداداتها العالمية، ما يضع الولايات المتحدة أمام تحدٍ لا يقل خطورة عن إحتمال خوض حرب مع الصين نفسها. وبعيداً عن الكميات المطلوبة، توجد العديد من المشكلات المتعلقة بتركيز عمليات التصنيع، وطول المدة الزمنية اللازمة لتوسيع الطاقة الإنتاجية، وهشاشة الموردين من الدرجات الأدنى.
كُل هذا يُبين أنّ الخطر الاستراتيجي الحقيقي الذي تستشعره الولايات المتحدة لا يكمن في إجمالي إنفاق الأسلحة، بل في معدل النضوب غير المتكافئ Uneven Rate of Depletion، أي أنّ مخزونات بعض الذخائر لا تزال كبيرة وقابلة للتوسع من حيث القدرة على إنتاجها في وقت معقول، لكن مخزونات أخرى، لا سيما الصواريخ الإعتراضية بعيدة المدى وأسلحة الضربات الدقيقة، تقترب من النضوب وتحتاج إلى زمن أطول لإستبدالها. وإن أكثر ما ما يُزيد من تعقيد الموقف بالنسبة للولايات المتحدة ليس النقص في الذخائر حالياً فحسب بل أن المعركة الحقيقية مع الصين ستتطلب أسلحة أكثر بكثير مما إفترضته سيناريوهات المُحاكاة خصوصاً وأنّ حربها على إيران التي إستغرت ما يُقارب (40) يوماً إستهلكت فيها الولايات المتحدة من الذخائر أكثر بكثير مما تخيلته السيناريوهات الإفتراضية للحرب مع الصين التي هي أقوى بكثير من إيران وأشد تسليحاً.
في مطلع شهر آيار، أكدت صحيفة Financial Times، أنّ الولايات المتحدة حذّرت حلفاءها الأوروبيين، بمن فيهم المملكة المتحدة وبولندا وليتوانيا وإستونيا، من توقع تأخيرات طويلة في تسليم الأسلحة الأمريكية، في ظل سعيها الحثيث لإعادة ملء مخزوناتها التي استُنزفت جراء الحرب مع إيران. بالتأكيد أن تأخير تسليم أسلحة هامة بما في ذلك أنظمة الصواريخ إلى دول أوروبية يؤثر في الموقف الدفاعي لأوروبا في مواجهة روسيا وقدرتها على دعم أوكرانيا، لكن الأكثر خطورة أنّ تأجيل الشحنات إلى آسيا قد زادت المخاوف بشأن ما إذا كانت الولايات المتحدة تمتلك مخزوناً كافياً من الأسلحة لردع بكين أو هزيمة الصين في أي صراع مستقبلي حول تايوان.
تتصرف الولايات المتحدة بإعتبارها قوة عُظمى قادرة على تقييد ومواجهة التهديدات التي تتعرض لها من خصوم مثل الصين وروسيا وكوريا الشمالية وإيران إلا أن حرباً واحدة مع أحد هؤلاء الخصوم أظهرت مستوى الضعف الذي تعانيه في مخزونها من الأسلحة المتطورة وبيّنت الفجوات في التفكير الإستراتيجي العسكري الذي سيطر على العقول طوال ثلاثة عقود من خلال إدخار جيش يُعطي الأولوية للقدرة في تنفيذ ضربات دقيقة على حساب الطاقة في إنتاج أسلحة كثيفة والإعتقاد أنّ الأسلحة المتطورة والجيوش الصغيرة قادرة على التحكم بمُدخلات الحرب ومُخرجاتها وتجاهل حقيقة أنّ الحرب كتجسيد ديناميكي للصراع العنيف أكبر من أن يتم إحتوائه بهذه الطريقة. كان من الواضح أنّ هذا التصور إنمّا نسجته بعض التجارب العسكرية الناجحة لإنتصارات سريعة وحاسمة لكنه في نفس الوقت تجاهل تجارب أخرى أظهرت كيف يُمكن لحرب صغيرة أنّ تتحول إلى عملية مُطولة إستنزافية لمكافحة التمرد والإرهاب.
تُبين التجارب العسكرية السابقة في فيتنام والعراق وأفغانستان للمخططين العسكريين أهمية تجنب الدخول في صراعات طويلة وغير متكافئة في ميزان القوة بالإعتماد على التكنولوجيا المتفوقة لأنها غير قادرة على المطاولة في هذه الصراعات، وأنّ القبول بخوضها معناه القبول بنتائج عدم التناسب ما بين نوع الحروب متوسطة الحجم التي تتطلب قدرة على المطاولة وأسلحة تقليدية وعدم كفاية الأسلحة فائقة التطور على تحقيق النتائج السياسية.
لا يُمكن القول أن المُخططين العسكريين في الولايات المتحدة لم يولوا حجم المخزون من الأسلحة قبل الحرب إهتماماً كافياً وأنهم خاطروا بما يملكون بقدر ما أنهم كانوا على ثقة عالية بالقدرة على الإنتصار ووضع خاتمة للحرب بأسلحة مُحددة أو ضربات معدودة، وهذا بحد ذاته يُبين أن الخطأ في التصور الإستراتيجي يُمكن أن يُفضي إلى وقوع أخطاء في جوانب أخرى من الإستراتيجية مثل عدم الحفاظ على المخزون الذي يجب توافره لمواجهة أخطار أخرى غير هذه الحرب. من المؤكد أنّ الرئيس الأميركي كان قد وضع في أولوياته ضرورة إلحاق الهزيمة بالخصم فوق أي إعتبار آخر، وبالتالي إستمر ينظر إلى النصر المتوقع تحقيقه على أنّه مسألة أساسية بإعتباره إظهار للردع والقوة في مواجهة دول أخرى مثل الصين وروسيا، وأنّه يُمكن لهذا النصر في حال تحقيقه التغطية على التراجع في المخزون الإستراتيجي.
في حال نجاح الولايات المتحدة في تحقيق هدفها من الحرب مع إيران فأن هذا لن يكون بفضل الأسلحة فائقة التقدم بل بمعونة الأدوات الأخرى التي وظفتها بجوارها مثلما فعلت الولايات المتحدة بإضافة الحصار البحري لقائمة الوسائل للوصول إلى هدف إرغام إيران على توقيع هدنة أو إتفاق جديد. إذ لا يُمكن توقع كفاية هذه الأسلحة في الوصول إلى هدف الحرب المتمثل بالإستسلام وكسر إرادة الخصم بقدر ما أنها تكون مُعززة وتحتاج إلى وسائل أخرى.
وضعت الهُدنة الهشة وقفاً مؤقتاً لإطلاق النار بين إيران والولايات المتحدة، ومع انّ الولايات المتحدة تحتفظ بنسبة مقبولة من مخزونها من الأسلحة الأكثر أهمية لكن هذا المُتبقي سيؤثر حتماً على وضعها الإستراتيجي في مواجهة خصم عنيد مثل الصين سيما وأنّ أسلحة الولايات المتحدة الأكثر تطوراً هي أيضاً الأكثر اعتماداً على سلاسل التوريد الطويلة والمعقدة، وسوف يكون العامل الذي يحد من الصراعات المستقبلية هو القدرة والوقت الذي تستغرقه في إعادة تجديد الترسانة العسكرية بسرعة كافية.
