النظام الدولي القائم على القواعد بات يفقد هذه القواعد!

د. عماد مؤيد المرسومي
6 آب 2026
القواعد ما زالت قائمة قانونياً، لكن قدرة القوى على حمايتها وفرض كلفة إنتهاكها تتعرض للإختبار

لم تكن القواعد التي حكمت العلاقات الدولية طوال العقود الماضية نتاجاً للنصوص القانونية وحدها، بل كانت أيضاً نتاجاً لموازين القوة التي وقفت خلفها. ولا تنهار القواعد الدولية عندما تتوقف الدول عن الإعتراف بها، وإنما تبدأ في الضعف عندما تتغير الظروف التي جعلت إحترامها أكثر فائدة من خرقها. شهد النظام الدولي القائم على القواعد Ruled-Based Order إستقراراً مقبولاً خلال لحظة القطبية الأحادية، على حد تعبير تشارلز كروثامر Charles Krauthammer رغم أنّه لم يكن مثالياً بالكامل لأنّ الولايات المتحدة نفسها خرقت بعض قواعده بما فيها شن الحروب بدون إجماع دولي. الآن في ظل تصاعد المنافسة الجيوسياسية بين القوى الكُبرى من جهة وتصاعد طموحات القوى الإقليمية من جهة ثانية من المتوقع أن يتعرض هذا النظام إلى كثير من الخرق بما في ذلك القواعد التي كانت الولايات المتحدة نفسها تحرص على إدامتها بما يتلائم مع مصالحها.
طوال العقود الماضية، كانت قاعدة عدم الاستيلاء على أراضي الدول بالقوة واحدة من أكثر القواعد رسوخاً في النظام الدولي. لكن القوة التي جعلت هذه القاعدة قابلة للتطبيق لم تكن القانون وحده، بل إستعداد دول كبرى، وفي مقدمتها الولايات المتحدة، لإستخدام قوتها عندما تتعرض القاعدة لإختبار حقيقي. واليوم تواجه واشنطن معضلة مختلفة: كيف تحافظ على قاعدة دافعت عنها بالقوة في الماضي، بينما تبحث في الحاضر عن تسوية سياسية مع قوة تحاول تغيير الواقع الإقليمي بالقوة؟
كانت حرب الخليج عام 1991 التعبير الأوضح عن النظام الذي ساد بعد الحرب الباردة. عندما غزا صدام حسين الكويت وإحتل أراضيها، لم تتعامل الولايات المتحدة وحلفاؤها مع الإحتلال باعتباره واقعاً يمكن قبوله ثم التفاوض على شروطه، بل قادت تحالفاً دولياً أجاز له مجلس الأمن إستخدام "جميع الوسائل الضرورية" لتنفيذ قراراته وإعادة السلام والأمن إلى المنطقة. ثم أكد القرار 686 ضرورة أن يُلغي العراق إجراءات ضم الكويت. كان المعنى السياسي للحرب أكبر من تحرير الكويت. فقد أكدت أن القوة العسكرية لا ينبغي أن تتحول إلى وسيلة لإكتساب أراضي دولة أخرى، وأن احتلال الأرض لا ينبغي أن يتحول إلى حقيقة مقبولة لمجرد أن القوة العسكرية سمحت بفرضها أو يمنح المحتل حقاً تفاوضياً. وكانت هذه الفكرة منسجمة مع القواعد التي كرّسها ميثاق الأمم المتحدة، والتي تحظر إستخدام القوة ضد السلامة الإقليمية للدول. وطوال مرحلة ما بعد الحرب الباردة ظل هذا المبدأ أحد الأسس التي تحكم التعامل الدولي مع النزاعات الإقليمية، حتى عندما لم يكن تطبيقه متساوياً في كل الحالات أو عندما تم التعامل معه بإنتقائية.
وضعت الحرب الأوكرانية الولايات المتحدة أمام إختبار لم تواجهه بالطريقة نفسها عام 1991. فروسيا لم تكتف باستخدام القوة للإستيلاء على أراضٍ، بل جعلت السيطرة عليها جزءاً من شروط التسوية التي تريدها. ومع أنّ الأمم المتحدة أكدت أن إكتساب أراضي دولة أخرى نتيجة التهديد أو استخدام القوة لا يكتسب شرعية قانونية، وأدانت الجمعية العامة محاولات روسيا ضم أربع مناطق أوكرانية بأغلبية 143 صوت، إلا أنّه بالمقابل، تحولت السياسة الأمريكية بصورة متزايدة من التركيز على كيفية إعادة الأراضي إلى أوكرانيا إلى البحث عن صيغة تنهي الحرب وتسمح بالتوصل إلى إتفاق. وأظهرت النقاشات الأمريكية الروسية والأمريكية الأوكرانية خلال 2026 أن واشنطن كانت تدفع باتجاه إستئناف المفاوضات ومناقشة مقترح التخلي عن أراضي أوكرانية وهو ما كان ينسجم مع مطالب موسكو في الإستحواذ على إقليم دونباس.
وهنا تكمن المعضلة الأمريكية الحقيقية. التفاوض على إنهاء حرب بدأتها روسيا لا يعني قانونياً الاعتراف بشرعية ضم الأراضي، لكنه يغير الطريقة التي تُدار بها القاعدة سياسياً. ففي عام 1991 كان المنطق هو أن القوة يجب أن تعيد الوضع إلى ما كان عليه قبل الإحتلال؛ أما اليوم، فإن أحد مسارات الدبلوماسية المحتملة هو التفاوض حول وضع نشأ نتيجة إستخدام القوة. والفارق بين الأمرين ليس قانونياً فقط، بل يتعلق بالإشارة التي تصل إلى الدول الأخرى حول جدوى إستخدام القوة لتغيير الواقع، وأنّ مجرد إنتقال النقاش من سؤال "هل يجوز تغيير الحدود بالقوة؟" إلى سؤال "كم من الأرض ينبغي أن تتنازل عنها أوكرانيا لإنهاء الحرب؟" يكشف أن ميزان القوة بدأ يؤثر في حدود ما يمكن الدفاع عنه عملياً.
وهذا لا يعني أن واشنطن تخلت رسمياً عن مبدأ وحدة الأراضي الأوكرانية. فما تزال المواقف الأمريكية والأوروبية تؤكد دعم سيادة أوكرانيا، كما أن واشنطن تواصل مناقشة إمدادات الدفاع الجوي لكييف. لكن السياسة الخارجية لا تُقاس بالمبادئ المعلنة وحدها؛ إنها تُقاس أيضاً بما تقبل الدولة إدخاله في المفاوضات. وعندما تصبح الأراضي التي إستولى عليها المُهاجم جزءاً من معادلة التسوية، فإن القاعدة تنتقل من كونها حداً يمنع النتيجة إلى كونها مبدأ تتفاوض الأطراف حول كيفية التعامل مع إنتهاكه. بمعنى آخر، بدأت الفوارق تتسع بين القاعدة باعتبارها مبدأً قانونياً وبين القدرة السياسية على فرضها. فكلما طال أمد الحرب، أصبحت المحافظة على المبدأ أكثر كلفة، وأصبحت التسوية السياسية أكثر إغراءً للقوى التي تتحمل عبء الحرب ودعم الحلفاء.
كلما طال أمد الحرب، أصبحت المحافظة على المبدأ أكثر كلفة، وأصبحت التسوية السياسية أكثر إغراءً للقوى التي تتحمل عبء الحرب ودعم الحلفاء
هذه المعضلة تصبح أكثر وضوحاً إذا إنتقلنا من الأرض إلى البحر، وتظهر في صورة مفارقة ساخرة: الدولة التي تطالب الآخرين بالتكيف مع قواعد جديدة باتت تجد نفسها هي الأخرى أمام قواعد تحاول قوى أخرى فرضها بالقوة. فحرية الملاحة في الممرات الدولية لم تكن دائماً حقيقة طبيعية، بل إحتاجت إلى قوة وترتيبات دولية تحميها. وتاريخ المضائق الأوروبية يوضح أن الدول التي سيطرت على نقاط الإختناق البحرية إستطاعت لفترات طويلة أن تحول الجغرافيا إلى مصدر للثروة والنفوذ. ومع تطور النظام الدولي الحديث، جرى تدريجياً تقليص قدرة الدول على استخدام هذه المواقع لفرض شروط أحادية على التجارة الدولية.
ولهذا فإن مضيق هرمز يمثل إختباراً مختلفاً للقاعدة نفسها. فالقانون الدولي للبحار ينظم المرور العابر في المضائق المستخدمة للملاحة الدولية، ويمنع الدول المشاطئة من عرقلة هذا المرور أو تعليقه. وإذا إستطاعت دولة أن تستخدم سيطرتها الجغرافية على ممر إستراتيجي لفرض شروط سياسية أو إقتصادية على حركة السفن، فإن المسألة لا تتعلق بالممر وحده، وإنما بمبدأ أوسع: أنّ السيطرة الفعلية على موقع استراتيجي يُمكن أن يمنح الدولة القدرة على إعادة كتابة قواعد إستخدامه، أي إعادة تعريف القاعدة نفسها.
والمفارقة التاريخية أن الولايات المتحدة عرفت مبكراً أن حرية التجارة والملاحة تحتاج إلى قوة تحميها. ففي الحرب التي أطلق عليها إسم الحرب البربرية الأولى بين 1801-1805، واجهت واشنطن مطالب طرابلس ودول الساحل البربري بدفع الجزية مقابل حماية السفن الأمريكية. وبعد سنوات من دفع الجزية والمفاوضات، إختار الرئيس توماس جيفرسون إستخدام القوة لضمان أمن التجارة الأمريكية في المتوسط. وإنتهت الحرب بمعاهدة أنهت التزام الولايات المتحدة بدفع الجزية لطرابلس، حتى أنّ البحرية الأمريكية وصفت النتيجة لاحقاً بأنها انتصار للتجارة الحرة.
الفارق بين 1803 واليوم أن الولايات المتحدة بسبب حربها على إيران دفعت الأخيرة لتحدي قاعدة كانت الولايات المتحدة تعمل سابقاً على حمايتها، وبالتالي ما عادت واشنطون القوة الصاعدة التي تبحث عن حرية الوصول إلى الأسواق، بل أصبحت القوة المهيمنة التي تواجه إختباراً أصعب: هل تستطيع الحفاظ على القواعد التي ساعدت في بناء النظام الدولي، في وقت تتزايد فيه كلفة حمايتها وتتعدد الجبهات التي تتعرض فيها للإختبار؟ فالتراجع عن قاعدة في أوروبا يمكن أن يرسل إشارة إلى خصوم واشنطن في الشرق الأوسط وآسيا، كما أن قبول قاعدة جديدة في أحد المسارح قد يؤثر في إستعداد الآخرين لاختبار قواعد أخرى في مسارح مختلفة.
وهنا تلتقي أوكرانيا وهرمز في نقطة واحدة. ففي الحالة الأولى، يجري إختبار القاعدة التي تمنع اكتساب الأرض بالقوة. وفي الثانية، يجري إختبار القواعد التي تحمي الملاحة الدولية من الإكراه الجغرافي. وفي الحالتين لا تكمن المشكلة الأساسية في أن القانون الدولي تغير، وإنما في أن القدرة العملية على حماية القاعدة القانونية أصبحت موضع إختبار.
وهذا هو التحول الأكثر أهمية. فالقواعد الدولية لا تعمل فقط لأنها مكتوبة، بل لأنها تصنع توقعات لدى الدول بشأن ما سيحدث إذا خالفتها. عندما غزا العراق الكويت، كان التوقع أن الاحتلال سيقابل بالقوة وسيُجبر العراق على الانسحاب. أما عندما تصبح نتيجة الاحتلال جزءاً من مفاوضات التسوية، فإن توقعات الدول الأخرى قد تبدأ في التغير: ربما لا يكون السؤال بعد ذلك "هل يمكن إستخدام القوة لتغيير الحدود؟"، بل "إلى أي حد يمكن إستخدام القوة قبل أن يصبح الواقع الجديد قابلاً للتفاوض؟"
والمشكلة لا تتوقف عند روسيا. فالدول الأخرى تراقب كيفية تعامل القوى الكبرى مع هذه السوابق. الدولة التي تملك قوة عسكرية قد تعيد حساباتها بشأن إستخدام القوة، والدولة التي تملك مضيقاً إستراتيجياً قد تعيد تقييم القيمة السياسية لجغرافيتها، والدولة التي تمتلك مورداً حيوياً قد تنظر إليه باعتباره أداة ضغط لا مجرد أصل اقتصادي. وبذلك يمكن أن يؤدي تغير قاعدة واحدة إلى تعديل توقعات الدول بشأن قواعد أخرى.
القواعد الدولية لا تعمل فقط لأنها مكتوبة، بل لأنها تصنع توقعات لدى الدول بشأن ما سيحدث إذا خالفتها
وتصبح المعضلة الأمريكية أكثر عمقاً لأنها ستجد نفسها أمام إمتحان يفرض عليها إتخاذ قرارات في ظروف تتغير فيها تكلفة الحماية. في حرب الخليج كانت كلفة إعادة الكويت إلى وضعها السابق مقبولة في حساباتها الإستراتيجية. أما في الحرب الأوكرانية، فإن استمرار الصراع يعني إستنزافاً عسكرياً واقتصادياً، وتنافساً مع الصين، وتوترات في الشرق الأوسط، وحاجة متزايدة إلى إعادة توزيع الموارد. ولذلك يصبح إنهاء الحرب هدفاً بحد ذاته، حتى لو كان تحقيقه يتطلب التعامل مع نتائج القوة الروسية التي كانت واشنطن ترفض الإعتراف بها.
وهنا تكمن المفارقة: قد تدفع الرغبة في إنهاء الحرب إلى قبول تفاوضي لنتائج كان إستخدام القوة قد أوجدها، حتى من دون الإعتراف بشرعيتها. وهذا لا يعني أن القاعدة إختفت، لكنه يجعل حدودها السياسية أقل وضوحاً. فالدولة التي إستخدمت القوة لم تعد تواجه فقط سؤال الإنسحاب، وإنما تستطيع أن تدخل إلى طاولة المفاوضات وهي تحمل معها ما حققته ميدانياً.
لهذا فإن الخطر الحقيقي ليس أن يستيقظ العالم ذات صباح ويكتشف أن النظام الدولي القديم قد إنهار. الأخطر هو أن تتغير القواعد تدريجياً من خلال سوابق صغيرة تتراكم حتى تصبح واقعاً جديداً. إحتلال أرض يصبح جزءاً من مفاوضات التسوية، وفرض قيود على الملاحة يصبح أمراً مؤقتاً ثم يتحول إلى آلية تفاوض، وإستخدام القوة لتغيير الوقائع يتحول من إستثناء إلى أداة تفاوضية. وعندما تتكرر هذه السوابق، تبدأ الدول الأخرى في تعديل حساباتها على أساسها.
إن العالم لا يفقد بالضرورة القواعد التي حكمته، لكنه يدخل مرحلة تصبح فيها قوة القاعدة مرتبطة مجدداً بقوة من يحميها. وهذا يُعيد العلاقات الدولية إلى مسألة ظن العالم أنه تجاوزها بعد الحرب الباردة: العلاقة المباشرة بين القانون والقوة. فالقواعد الدولية لا تعيش في الفراغ؛ إنها تحتاج إلى توازنات سياسية وإقتصادية وعسكرية تجعل إنتهاكها مكلفاً. وعندما تتغير هذه التوازنات، لا تختفي القواعد فوراً، لكنها تدخل مرحلة إعادة تفاوض.
وقد تكون هذه هي السمة الأهم للنظام الدولي المقبل: ليس غياب القواعد، بل تعدد القواعد المتنافسة. فكل قوة صاعدة أو إقليمية قد تحاول تحويل ما تستطيع فرضه ميدانياً إلى قاعدة سياسية جديدة، بينما تحاول القوى الأخرى منع ذلك أو الحد منه. ومن ثم، فإن السؤال الذي ينبغي أن يشغل العالم ليس فقط: ما هي القواعد التي نريد الحفاظ عليها؟ بل أيضاً: من يمتلك القوة الكافية لجعل الآخرين يعتقدون أن خرقها لن يكون مربحاً؟ فإذا لم توجد إجابة واضحة، فإن القواعد التي بدت راسخة طوال عقود قد تتحول، تدريجياً، من مبادئ حاكمة للنظام الدولي إلى مجرد مواقف تفاوضية قابلة لإعادة الكتابة كلما تغير ميزان القوة.
