top of page
مضيق هرمز

أزمة مضيق هرمز والخارطة الجيوسياسية لمشاريع الطاقة

2_edited_edited.jpg

تسعى إيران إلى جعل أي صفقة لإنهاء حالة الحرب هو القبول بواقع إقليمي أنّها إنتزعت إتفاقاً من الولايات المتحدة على أساس قدرتها على إغلاق المضيق، ما يجعل من إمكانية أن تعيد الكرة مستقبلاً خياراً مطروحاً

د. عماد مؤيد المرسومي

June 5, 2026

   حتى مع إعادة فتح مضيق هرمز أمام الملاحة البحرية بالإتفاق مع الولايات المتحدة، والذي من المتوقع أن يكون تدريجياً لأسباب أمنية سيما وأنّ سلاسل التوريد تأخذ وقتها الذي تحتاجه لإعادة تنظيم نفسها، فأنه في كل الأحوال لن تنسى إيران النفوذ الهائل الذي إكتسبته بإغلاق المضيق، ولن تتنازل نهائياً عن خيار اللجوء إلى هذا التكتيك مجدداً، بل ستدمجه في إستراتيجيتها، ولن تتردد في إعادة النظر في إغلاق المضيق إذا رأت ذلك ضرورياً. بعبارة أخرى، حطمت الحرب حاجزاً نفسياً لن يُعاد بناؤه. وبناءً على ذلك، ستعمل إيران على إعادة بناء وتدعيم بنيتها التحتية العسكرية المتضررة مع وضع مضيق هرمز نصب عينيها. وستكون إعادة بناء منشآت إنتاج الصواريخ والطائرات المسيّرة، التي تضررت بشدة جراء الضربات الأمريكية والإسرائيلية، على رأس أولوياتها، إلى جانب تعزيز وتنويع شبكات إمدادها العالمية. وسيكون لهذا الأمر الأولوية على إعادة بناء بنيتها النووية المدمرة وبحريتها التقليدية. سيظل هدف إيران الإستراتيجي في الفترة المقبلة هو ضمان إبقاء خطر إغلاق المضيق هاجساً يخيّم باستمرار على الملاحة البحرية في الخليج، وبالتالي على الإقتصاد العالمي.
   ومن المؤكد أنّ التداعيات الأكثر قسوة التي سيفرضها أي إتفاق يتم الوصول إليه لإنهاء حالة الحرب وإعادة فتح مضيق هرمز بشكل طبيعي ستكون على عاتق دول الخليج العربي. إنّ قبول الولايات المتحدة بصفقة للخروج من حالة الجمود واللاسلم وإعادة الحياة لحرية الملاحة البحرية معناه القبول بواقع أن إيران باتت قوة ذات تأثير أكبر من ذي قبل وعلى دول الخليج المجاورة لها التعامل مع هذا الوضع والتكيف مع المُعطيات التي يفرضها خصوصاً ما يتعلق بإستمرار قدرة إيران على إغلاق المضيق وحرمان الدول من تصدير منتجاتها في أي صراع مُستقبلي. لقد أثبت غياب وسائل نقل بديلة للنفط والغاز في منطقة الخليج أنه كارثي إقتصادياً بالنسبة للدول التي تفتقر إلى وسائل نقل إحتياطية، وكذلك بالنسبة لعملائها، بينما سمح هذا الوضع لإيران بالضغط على الولايات المتحدة وإسرائيل لإرغامهم على إنهاء الحملة العسكرية. على ما يبدو أنّ الحرب زادت من إلحاح بناء خطوط أنابيب بديلة عبر شبه الجزيرة العربية، نظراً لأهمية صادرات الطاقة من الخليج والخسائر المتراكمة جراء إنقطاعها، وهو ما بات يُعطي دفعة قوية لإحياء الحلول التي كانت موضع تفكير قبل الحرب وتحولت إلى ضرورة إستراتيجية خلال وقت الحرب من خلال البحث عن بدائل لتأمين سلاسل توريد لا تخضع لسيطرة إيران أو لا تتأثر أعمالها بإغلاق المضيق. مع ذلك، يبقى السؤال الأهم شاخصاً وسط هذه المُخططات: هل أنّ بناء شبكة نقل بديلة يُسهم فعلياً في حل مشكلة إغلاق مضيق هُرمز مستقبلاً؟
   لطالما اعتُبر مضيق هرمز أحد أهم الممرات التجارية في العالم. فهو ينقل عادة حوالي 20 مليون برميل من النفط الخام ومشتقاته يومياً، فضلاً عن خُمس صادرات الغاز الطبيعي المسال (LNG) العالمية تقريباً. كما يمر عبره ثلث إنتاج العالم من الهيليوم، وكمية مماثلة من اليوريا التي تُستخدم في صناعة الأسمدة. إنّ الخطط والمشاريع الرامية إلى التنويع بعيداً عن مضيق هرمز كانت موضوعة على لوحات الرسم منذ عقود، وتخضع هذه الحلول الآن لضغوط إختبار شديدة كما لم يحدث من قبل. لقد سبق لدول الخليج أن إجتهدت خلال العقود الماضية على توفير مسارات بديلة بعيداً عن هُرمز تحسباً لإغلاق المضيق، وتمكنت من بناء بعضها، لكن البنية التحتية الإلتفافية القائمة حالياً، قادرة في أفضل الأحوال، على توفير حوالي 3.5 مليون برميل إلى 5.5 مليون برميل يومياً من النفط الخام بعيداً عن المضيق، وهي نسبة أقل من نُصف مجمل طاقة التصدير الكُلية التي تمر عادة عبر المضيق في الظروف الإعتيادية.

ما بات واضحاً أن تغييراً في ميزان القوى قد نشأ، وأن معرفة إيران بقدرتها على إغلاق مضيق هرمز في المستقبل يعد بالنسبة لها مكسب ذا أهمية وأكثر إستراتيجية من أي إنجاز عسكري

خارطة البنى التحتية للطاقة في ظل الحرب

   عند إندلاع الحرب نهاية شباط 2026، لم يكن هناك سوى أربعة خطوط أنابيب عاملة لنقل النفط الخام قادرة على تجاوز مضيق هرمز. سمحت هذه الخطوط الأربعة لإيران والعراق والمملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة بتصدير ما بين 40 و45 بالمائة من التدفقات المعتادة للنفط الخام، والتي تبلغ حوالي 15 مليون برميل يومياً، عبر المضيق. أما الكمية المتبقية، والتي تتراوح بين 8 و9 ملايين برميل يومياً، والتي تمثل كامل طاقة تصدير النفط للبحرين والكويت وقطر، بالإضافة إلى معظم صادرات العراق وبعض صادرات السعودية والإمارات وإيران، فقد ظلت عالقة. وتُمثل هذه الكمية حوالي 10 بالمائة من حجم الإستهلاك العالمي للنفط. 
   خارطة الأنابيب البديلة الموجودة حالياً ترتكز في أوسع مشاريعها على خط شرق - غرب المعروف أيضاً باسم (بترولاين Petroline) الذي يقطع المملكة العربية السعودية من حقول النفط الشرقية على الخليج إلى موانئ البحر الأحمر. ويُعدّ هذا الخط أكثر من مجرد مشروع هندسي؛ فهو أحد أهم ممرات الطاقة في العالم، ويمتد هذا الشريان الحيوي لمسافة 1200 كيلومتر، عابراً جبال الحجاز الوعرة. تم بناء خط الأنابيب هذا في عقد الثمانينيات خلال الحرب العراقية – الإيرانية بعد نشوب حرب الناقلات الأولى، عندما هاجمت إيران والعراق السفن التجارية في الخليج كجزء من صراعهما الأوسع. ففي الفترة من آذار 1984 ولغاية تموز 1988 هاجم طرفا الحرب 430 سفينة تجارية وتم إغراق 72 منها. ومع إنتهاء حرب الثمانينات إستمرت السعودية بإستخدام هذا الخط كأصل إستراتيجي فضلاً عن أنّها عملت على تطوير طاقته التصديرية. ففي عام 2019، تم توسيع قدرة خط الأنابيب إلى سقف الطوارئ البالغ 7 ملايين برميل، مع ذلك نجد أن طاقته التي كان يعمل بها قبل الحرب الأخيرة بلغت بحدود 2.8 مليون برميل يومياً فقط.
   ومع أنّ المملكة سعت إلى نقل المزيد من إنتاجها الكُلي البالغ 10.2 مليون برميل يومياً عبر خط الأنابيب الموسع الذي يربط الشرق بالغرب أو عبر مسارات جديدة، إلا أنّ صادرات السعودية لم تصل إلى الطاقة الكُلية للخط وهي 7 مليون برميل يومياً لأنّ محطات التحميل في مدينة ينبع على ساحل البحر الأحمر لم تكن مصممة أبداً لنقل هذا القدر من النفط بهذه السرعة، لذلك ظلت كمية النفط التي تدفقت خلال الحرب الأخيرة عبر خط أنابيب (شرق – غرب) أقل من السقف النظري. وهو ما سمح للمملكة بتصدير نحو 4.9 مليون برميل يومياً من النفط الخام عبر ميناء ينبع على البحر الأحمر. صحيح أنّ الصادرات هي أقل بكثير من الكمية المُخطط أن تبلغها، إلا أنها لولا خط الأنابيب الذي يربط الشرق بالغرب لكانت قد توقفت تماماً عن التصدير. ومن ميناء ينبع، كان لا يزال يتعين على النفط المتجه إلى أوروبا أن يمر عبر مصر عبر خط أنابيب سوميد SUMED Pipelines، الذي تبلغ طاقته 2.5 مليون برميل يومياً فقط. تُتيح شركة سوميد، المملوكة لمصر والسعودية والكويت والإمارات وقطر، تفريغ ما يصل إلى 2.8 مليون برميل يومياً من شحنات النفط المتجهة إلى البحر الأبيض المتوسط ​​في العين السخنة على خليج السويس، دون المرور بالقناة، ومن ثم يتم نقلها عبر الأنابيب إلى ساحل البحر الأبيض المتوسط، حيث يُعاد تحميل النفط الخام على ناقلات النفط ويُسلّم إلى وجهاته النهائية، إذ لا تستطيع قناة السويس إستيعاب ناقلات النفط العملاقة المحملة بالكامل.
   
يمرّ النصف الآخر من خط أنابيب النفط البديل في الخليج عبر دولة الإمارات العربية المتحدة. يمتد خط أنابيب أبوظبي للنفط الخام (ADCOP) من حبشان إلى الفجيرة على الجانب المطل على خليج عُمان مُتجاوزاً المرور بمضيق هرمز، بطول يُقارب 406 كم وبسعة تصدير إجمالية تبلغ 1.8 مليون برميل يومياً، يُعدّ (ADCOP) خط الأنابيب البديل الرئيسي الوحيد الذي يخرج من الخليج مباشرةً إلى المحيط الهندي.
   بالنسبة للعراق، فإن خط أنابيب (كركوك-جيهان) الذي ينطلق من حقول كركوك الشمالية بإتجاه الأراضي التركية وصولاً إلى ميناء جيهان على البحر المتوسط لا ينقل سوى 250 ألف برميل يومياً، يُضاف لها 400 ألف برميل من المُمكن تصديرها من حقول كوردستان العراق عبر خط أنابيب خاص بها يمر بأراضيها ليرتبط لاحقاً بالإنبوب التركي عند نقطة الحدود العراقية التركية، وبالتالي إن إجمالي صادرات العراق عبر هذه الانابيب لا تتجاوز 650 ألف برميل في أفضل الأحوال.

التحديات الجيوسياسية لتجاوز المضيق

   من المعلوم أنّ الحروب مُحفز رئيسي للعمل على تنويع الخدمات اللوجستية للنفط، ودول الخليج العربي تسعى بالفعل إلى إستكمال مسارات التصدير البديلة. ولا شك أن بناء خطوط أنابيب التصدير الإلتفافية قد يكون الطريقة العملية الوحيدة للحد من الضعف الدائم لمصدري النفط والغاز في الخليج العربي في مواجهة الإضطرابات في المضيق. لقد أدى الإغلاق غير المسبوق لهذا الشريان الحيوي للنفط والغاز والأسمدة وغيرها من السلع إلى سباق محموم لزيادة الصادرات عبر طرق بديلة موجودة، فضلاً عن تطوير طرق جديدة ستعمل مع مرور الوقت، على إعادة تشكيل تدفقات التجارة الخليجية. لكن من وجهة نظر إستراتيجية تأخذ بنظر الإعتبار التفاصيل الدقيقة، لا يُمكن القول أن مُجرد رسم صورة لخطوط الأنابيب البديلة معناه أن هناك حل سهل للخلاص من معضلة المضيق. إنّ إنشاء موانئ وخطوط أنابيب ووصلات برية جديدة سيستغرق سنوات، ولن يتمكن من تجاوز المضيق بشكل كامل. مثل هذه المشاريع ستكون في حد ذاتها عرضة للخطر، ومعقدة سياسياً، ويتطلب إكمالها سنوات عديدة وإستثمارات ضخمة.
   إنّ التعقيدات السياسية التي تقف عقبة أمام نجاح مثل هذه المشاريع أكبر من أن يتم تجاوزها بسهولة حيث تتداخل الجغرافيا مع الإضطرابات الجيوسياسية في بعض الدول فضلاً عن الخلافات البينية. مع ذلك، تجد هذه الدول إنّ مناقشة طُرق الإستثمار في خطوط بديلة على أساس الوعي بالمخاطر التي تُهدد مصالحها المشتركة ربما يُعد كافياً في تذليل العقبات. وحسب رؤية بعض المتفائلين أنّه بعد عقد من الزمن، من المتوقع أن يختلف المشهد الإستراتيجي للخليج العربي إختلافاً جذرياً، مع خطوط أنابيب جديدة، وخطوط سكك حديدية، وبنية تحتية للموانئ توفر حلولًا بديلة للتجارة الداخلة إلى المضيق أو الخارجة منه. ستكون هذه الخيارات المتعددة قادرة على أن توفر شكلًا من أشكال التأمين ضد إغلاق المضيق مستقبلًا، وإن كان ليس من المرجح تماماً أن تتضاءل أهمية العبور عبر مضيق هرمز. 
   لكن ما ينبغي الإنتباه إليه هنا أنّ تعرض دول الخليج إلى التداعيات التي يُسببها إغلاق مضيق هرمز ليس متماثلاً تبعاً لطبيعة موقعها الجغرافي ما يجعل من بعض الدول الحبيسة التي لا تملك إطلالة إضافية خارج الخليج في وضع أسوء من غيرها وهو ما يؤثر حتى في خياراتها السياسية، وربما أنّ هذا الوضع يؤثر حتى في بناء إجماع كُلي على خُطط مشتركة وقد يوفر نافذة لمُمارسة ضغط على الدول الأضعف. على سبيل المثال، ليس لدى الكويت بديل لخطوط الأنابيب التي يجب أن تمر حتماً بدول مجاورة من أجل تجاوز المضيق، أما قطر فتتخذ نقطة الضعف فيها شكلاً مختلفاً وأكثر تعقيداً لأنّ الأمر يتعلق بالغاز أكثر من تعلقه بالنفط. إذ تبلغ طاقتها الإنتاجية من الغاز الطبيعي المسال في رأس لفان 77 مليون طن متري (MTPA)، وهي الأكبر في العالم، حيث تُغطي حوالي 19% من تجارة الغاز الطبيعي المسال العالمية. ولا بديل عن نقل هذا الغاز عبر مضيق هرمز. تبدو البدائل شحيحة وصعبة لكيفية نقل ما يُعادل خمس الغاز الطبيعي المسال العالمي دون المرور بالمضيق.
   تتضائل الخيارات المتاحة أمام الشركات العالمية لتجاوز مضيق هرمز فيما يخص الغاز الطبيعي. فقد أستُثمرت عشرات المليارات من الدولارات في تسييل الغاز في قطر، وبدرجة أقل في الإمارات، في بنية تحتية ثابتة لا يمكن نقلها خارج المضيق. قد يُضعف بناء خطوط أنابيب نفط جديدة نفوذ إيران في السيطرة على مضيق هرمز، إلا أن حجم وصعوبة إنشاء محطات تصدير جديدة للغاز الطبيعي المسال يعني أن إيران ستستمر بالإحتفاظ ببعض نفوذها الحالي في خنق قطاعات من تجارة الطاقة العالمية. عندما إندلعت الحرب على إيران في 28 شباط 2026، كانت قطر تسعى بالفعل إلى زيادة طاقتها التصديرية من الغاز الطبيعي المسال من 77 مليون طن متري سنوياً إلى 142 مليون طن متري، أي بزيادة قدرها 84%. وأدت الهجمات الإيرانية في آذار 2026 على منشآت إنتاج رأس لفان القطرية إلى توقف الصادرات، وتدمير الطاقة الإنتاجية القائمة، وتأخير التوسعة الجارية، وسيستغرق إصلاح هذه الأضرار سنوات ما يعني أنّ أضراراً جسيمة لحقت بالإقتصاد القطري. ونظراً للتكلفة الباهظة لبناء محطات تسييل الغاز، فمن غير المرجح أن تتخلى قطر عن منشآتها في رأس لفان أو تنقلها منها، أو حتى أن تفعل الإمارات العربية المتحدة ذلك مع محطتها في جزيرة داس. في الواقع، كانت شركة بترول أبوظبي الوطنية (ADNOC) قد خططت لبناء طاقة تسييل جديدة في الفجيرة، خارج المضيق، لكنها تراجعت في عام 2023 عن هذه التكلفة الإضافية وإختارت إنشاء محطة في الرويس داخل الخليج.

قد يُضعف بناء خطوط أنابيب نفط جديدة نفوذ إيران في السيطرة على مضيق هرمز، إلا أن حجم وصعوبة إنشاء محطات تصدير جديدة للغاز الطبيعي المسال يعني أن إيران قد تحتفظ ببعض نفوذها الحالي في خنق قطاعات من تجارة الطاقة العالمية

   يبدو أن الواقع الجيوسياسي لإنتاج وتصدير الغاز الطبيعي يدفع بإتجاه إعادة التفكير في مشاريع قديمة تم طرحها سابقاً قبل عقود. كان أحد هذه المخططات التي تم إقتراحها سابقاً لربط الخليج بالمشرق، والتي تهدف إلى خدمة الأسواق الأوروبية هو إنشاء خط أنابيب لنقل الغاز من قطر إلى تركيا، عبر طريق مقترح يبلغ طوله 1500 كيلومتر، بتكلفة إجمالية قدرها 10 مليارات دولار أمريكي حسب أسعار عام 2009، يبدأ من قطر ويمر بأراضي المملكة العربية السعودية والأردن وسوريا وصولاً إلى تركيا. ومشروع مقترح آخر يمر عبر المملكة العربية السعودية والكويت والعراق وصولاً إلى تركيا. ومن المثير للاهتمام أن نلاحظ أنه بعد سقوط نظام الأسد في سوريا في أواخر عام 2024، صرح وزير الطاقة التركي (ألبراسلان بيرقدار Alpraslan Bayraktar) أنه من الممكن إحياء مشروع خط أنابيب الغاز بين قطر وتركيا إذا تمكنت سوريا من أن تُحقق وحدة أراضيها وإستقرارها.
   أحد مشاريع خطوط أنابيب الغاز الموجهة للمستهلكين الآسيويين هو خط أنابيب الخليج - جنوب آسيا (مشروع جوسا Gusa project)، الذي إقترحته شركة كريسنت بتروليوم Crescent Petroleum، في تسعينيات القرن الماضي لربط قطر بباكستان. يبلغ طول الخط حوالي 1620 كيلومتراً، 1500 كيلومتر في البحر و120 كيلومتراً على اليابسة، وبتكلفة تقترب من 3 مليار دولار أمريكي، حسب تقديرات أسعار عام 1992، وبسعة تصديرية تبلغ 20 مليار متر مكعب. وحسب المُخطط من المقترح أن ينطلق المشروع من حقل الشمال القطري ويمر عبر الإمارات العربية المتحدة قبل التوجه إلى مدينة غاداني Gadani الساحلية الباكستانية.
   وهناك مشروع جديد ومبتكر يتمثل في بناء خط غاز من قطر عبر المملكة العربية السعودية أو الإمارات العربية المتحدة إلى محطات تسييل الغاز المقرر بناؤها في الفجيرة على بحر العرب أو على الساحل العماني وهو ما يسمح بتجاوز مضيق هرمز. ومن الممكن أن يمتد خط الأنابيب هذا بالتوازي مع خط أنابيب دولفين Dolphin pipeline الذي يبلغ طوله 364 كيلومتراً وبسعة تشغيل 32 مليار متر مكعب سنوياً، والذي يضخ الغاز القطري منذ عام 2007 إلى أبو ظبي ودبي والفجيرة في الإمارات العربية المتحدة، وإلى مدينة صحار الصناعية في عمان. يعد خط أنابيب دولفين أنجح مشروع لنقل الغاز عبر الحدود عبر دول مجلس التعاون الخليجي، وهو أحد أكبر المشاريع المتعلقة بالطاقة في المنطقة.
   في الوقت الحاضر، يبدو أنّ المصدرون باتوا يُفكرون بحلول مرتجلة ويُسارعون إلى إقامة إتصالات جديدة، ويجري وضع الخطط لمد خطوط أنابيب الغاز من قطر إلى تركيا عبر المملكة العربية السعودية والأردن وسوريا، أو عبر المملكة العربية السعودية والكويت والعراق، وآخر إلى مصر. لكن مثلما ذكرنا أن نجاح هذه الخطط ترتبط بالقدرة على تنفيذها وتجاوز المعوقات التي تعترضها في ظل حقيقة أنّ الكثير من مُخططات المشاريع السابقة العابرة للحدود لم يُصبها نجاح كبير بسبب الخلافات البينية، بل أنّ بعض خطوط أنابيب النفط والغاز في المنطقة تم إغلاقها مرة واحدة على الأقل بسبب الخلافات الثنائية، ولا يزال بعضها مغلقاً حتى يومنا هذا. وبالتالي نجاح إستراتيجية الطُرق البديلة يرتبط بالقدرة على تجاوز المصاعب الجيوسياسية والخلافات بين الدول.
   لقد أظهرت التجربة الإقليمية حالة أشبه بالعلاقة العكسية وهي أن تراجع نجاح خطوط الأنابيب الدولية يتناسب مع زيادة عدد الحدود التي يعبرها. لقد وقعت معظم خطوط الأنابيب التي تعبر حدود الدول في الشرق الأوسط ضحية للتنافسات والصراعات السياسية في المنطقة. وفي الواقع، تظل الصراعات السياسية داخل الدول المنتجة أو دول العبور، فضلاً عن النزاعات بين الدول، هي الأسباب الرئيسية لإغلاق العديد من خطوط أنابيب التصدير في المنطقة. إن نجاح خط أنابيب دولفين يمكن أن يكون بمثابة نموذج لمنطقة الخليج والشرق الأوسط ككل، وهي المنطقة التي كانت تعاني من الأداء الضعيف لخطوط أنابيب تصدير النفط الحالية.

الجدوى الإستراتيجية لبدائل الإلتفاف على المضيق

   يُفكر الإستراتيجيون في الجدوى الاقتصادية والتشغيلية لهذه المشاريع من زاوية أن الخطوط البديلة مُصممة للإستمرار بالعمل في حال نشوب حرب، لكن في حال نشوب هذه الحرب ما الذي يمنع تعرض الخطوط البديلة إلى التعطيل لا سيما أنّ بعضها إستهدف أصلاً خلال الصراع الأخير؟. على هذا الأساس يبدو أن إنفاق مئات المليارات من الدولارات على خطوط بديلة لن تقدم أماناً أكبر لشبكة الطاقة البديلة. لقد أدركت إيران الأهمية الجيوإقتصادية لخط أنابيب بترولاين Petroline، وإستهدفته تبعاً لذلك. ففي نيسان 2026، أدى هجوم بطائرة مسيرة إيرانية على محطة ضخ إلى توقف إنتاج 700 ألف برميل يومياً. ورغم أن شركة أرامكو السعودية، المشغلة للخط، تمكنت من إعادة تشغيله بكامل طاقته في غضون ثلاثة أيام وهو ما كان يبعث على الاطمئنان، إلا أن وقوع الهجوم نفسه يُثير القلق حول سلامة الطرق البديلة.

   ومثلما هو الحال مع خط أنابيب بترولاين، استُهدف خط حبشان - الفجيرة الإماراتي أيضاً خلال الحرب. إذ تسببت غارات الطائرات الإيرانية المسيّرة على الفجيرة في 3 و14 و16 آذار في إشعال النيران في خزانات التخزين وتعليق عمليات التحميل. ورغم أن (ADCOP) يُوفّر بعض التنويع لدولة الإمارات، إلا أنه لا يحلّ مشكلة الإستهداف.

   بشكل عام تبدو هذه الإستراتيجية الإلتفافية تحمل في طياتها عوامل نجاح ومخاطرة في نفس الوقت. أن الدعوة إلى زيادة الأنابيب في الخليج، كما حدث منذ بداية الحرب، أمر مفهوم. ولكن ما يزال الإحتمال قائماً، وأن كان ضعيفاً، أنّ هذه الانابيب قد لا تُوفر ضماناً لتصدير النفط دون معوقات. إن الإلتفاف على مضيق هرمز في خطوط أنابيب سيكلف مئات المليارات من الدولارات الأمريكية وعقداً من البناء، وفي نهاية الأمر، لن يكون الوصول إلى خطوط الأنابيب والمحطات الجديدة في ينبع والفجيرة وأي مكان آخر أصعب بطائرة بدون طيار من الوصول إلى المحطات القديمة.

   كذلك تظهر مشكلة إستراتيجية أخرى في خضم خارطة الأنابيب الجديدة وهي أنّ الإلتفاف على مضيق هرمز سينجح من خلال مسارات بديلة تتجه إلى البحر الأحمر وقد يكون هذا مفيداً في حال كانت وجهة الصادرات أوروبا، لكن أغلب النفط الخليجي يتجه آسيوياً ما يُزيد من مأزق الدول في تمرير النفط حتى عبر البحر الأحمر. لقد إعتمدت صادرات البحر الأحمر السعودية على إحتمالات غير مستقرة لعدم تدخل الحوثيين، نظراً لأن معظم الشحنات كانت متجهة إلى آسيا عبر مضيق باب المندب الخاضع لإشراف الحوثيين. وإذا أغلق الحوثيون المضيق، بتحريض من طهران، فإن الصادرات السعودية ستتقلص أكثر وتفشل في الوصول إلى الأسواق الآسيوية.

   نظرياً، إن استكمال جميع وصلات النفط المخطط لها من شأنه أن يرفع القدرة الإلتفافية لمضيق هرمز من 40 في المائة إلى ما يُقارب ثلثي تدفقات ما قبل الحرب، وهو ما يكفي لجعل الإغلاق المستقبلي أقل كارثية. ولكن لا يوجد طريق آمن تماماً. فقد تعرض خط أنابيب النفط السعودي لهجمات بطائرات بدون طيار، وللبحر الأحمر مضيق خاص به في باب المندب، وهو عرضة لهجوم المسلحين الحوثيين الذين يحتفظون بعلاقة جيدة مع إيران ويمكن الوصول إليه عن طريق بعض الصواريخ الإيرانية.

   في ضوء هذه الوقائع، ربما ستعمل دول الخليج العربي على إعادة النظر في عدد قليل من مشاريع خطوط الأنابيب المُصممة لتجاوز مضيق هرمز حتى تتمكن من الإستمرار في تصدير النفط والغاز الطبيعي دون إنقطاع. أيضاً، بالتوازي مع مشروع مد خطوط ووصلات برية جديدة، ستعمل دول الخليج على زيادة إستثمارها في برامج المنظومات الدفاعية التي تسمح لها بمواجهة الصواريخ أو الطائرات الإيرانية المُسيرة بكُلف مقبولة، مثل منظومات الدفاع الجوي من كوريا الجنوبية أو الطائرات الأوكرانية المُضادة للطائرات المُسيرة، بعيداً عن البرامج الأميركية الباهضة مثل منظومات الدفاع الجوي (باتريوت) و(ثاد). وهي تعتقد أنّ تأمين أجوائها بهذه الخيارات العسكرية سيمنحها فرصة كافية لضمان عدم إستهداف المسارات البديلة والحفاظ على صادرات النفط. بشكل عام وفي عصر يتسم بتزايد عدم الاستقرار الدولي، يُظهر درس مضيق هرمز أن الطرق التجارية التي كانت تُعتبر في السابق أمراً مفروغاً منه يُمكن إغلاقها فجأة، وبالتالي أنّ الإستثمار في الحد من مركزية الطاقة وشبكات سلاسل التوريد الأخرى لا يُمكنه تجاوز الممرات الضيقة تماماً، لكن على الأقل أنّ هذا الإستثمار تحوّل من كونه ترفاً باهظاً إلى ضرورة إقتصادية وجيوسياسية.

إن أغلب النفط الخليجي يتجه آسيوياً ما يُزيد من مأزق الدول في تمرير النفط حتى عبر البحر الأحمر. إذا أغلق الحوثيون مضيق باب المندب سيفشل النفط الخليجي في الوصول إلى الأسواق الآسيوية

الإلتفاف على الخلافات أولاً قبل المضيق

   حتى في أكثر التوقعات تفاؤلاً في ظل سيناريو وقوع حرب أوصراع مُسلح آخر، لا يبدو أنّ الحلول البديلة لخطوط الأنابيب والسكك الحديدية يُمكن أن تحل محل المضيق المفتوح بالكامل. هناك القليل من البدائل الممكنة لصادرات الغاز الطبيعي المسال، ما يعني أن إقتصادات دول الخليج العربية من المرجح أن تحتفظ ببعض التعرض لإغلاق هرمز في المستقبل. علاوة على ذلك، ستظل البنية التحتية الإلتفافية المبنية حديثاً عرضة للهجوم، وأنّ ضمان إستمرار تشغيلها دون إنقطاع سيتوقف على قدرة هذه الدول في توفير دفاعات كافية لحمايتها من الهجمات، في وقت ستعمل فيه إيران حتماً من جهتها على تطوير قدرة هجومية لتجاوز الطبقات الدفاعية المُصممة لحماية شبكة خطوط الأنابيب البديلة. كذلك ما يجب الإهتمام به أيضاً ليس التفكير في قدرة هذه الخطوط على الإلتفاف على مضيق هرمز فحسب، بل هل أنّ دول الخليج قادرة أولاً على الإلتفاف على خلافاتها الثنائية لإنجاح تجربة التعاون الإقليمي؟

   من المُحتمل أنّ بعض الدول ستتبنى خيارات تفاعل مختلفة على أساس تعرضها إلى حجم غير متناسب من التداعيات. هذا يدعونا إلى التفكير في النظرية الواقعية الجديدة الكلاسيكية Neo-Classical Realism التي تُفسر لماذا تتصرف الدول بشكل مختلف في مواجهة القيود والضغوط البُنيوية التي تفرضها البيئة الخارجية رغم أنّ هذه الضغوط تبدو متشابهة.

   نظرياً ستسعى قطر للحفاظ على علاقاتها العملية طويلة الأمد مع إيران، أو ربما تعزيزها، أملاً في تقليل إحتمالية إستهداف صادراتها بشكل مباشر أو تعطيلها عمداً في حال نشوب أزمة مستقبلية. وتستند هذه العلاقة إلى حقيقة أن قطر وإيران تتشاركان أكبر حقل للغاز الطبيعي في العالم. تمتلك إيران نحو ثلث الحقل، المعروف محلياً باسم حقل (بارس) الجنوبي، بينما تسيطر قطر على نحو ثلثيه، المعروف باسم (حقل الشمال). ويُمكن لإتفاقية تطوير تُسهّل الصادرات القطرية الإيرانية المشتركة من هذا الحقل أن تُخفّض تكاليف البنية التحتية وتُحقق وفورات الحجم. وبدلاً من بناء محطات تسييل مستقلة داخل إيران، وما يصاحب ذلك من صعوبات تقنية ومخاطر العقوبات والحرب، يُمكن لإيران ببساطة تمويل خطوط أنابيب تحت سطح البحر تربطها بقطر، حيث يُمكن إنتاج الغاز الطبيعي المسال مقابل رسوم. وقد يُساهم هذا النوع من الربط بين إيران وقطر في جعل صادرات الدوحة ومنشآت التسييل أكثر أماناً وأقل عرضةً للهجوم. لكن على الرغم من أن الفوائد المحتملة لإدارة الموارد المشتركة قد تحفز التعاون المستقبلي، إلا أنّه من وجهة نظر صانع القرار الإيراني وفي ظل صراع مُسلح، أنّ التأثير الاقتصادي العالمي لهجمات إيران على قطر قد يفوق عملياً أي مصالح إقتصادية مشتركة.

   من المفارقات التي يجب أن نأخذها بنظر الإعتبار أيضاً أن بناء الحلول البديلة لنقل النفط قد يشجع أكثر على وقوع صدام مستقبلي آخر بين إيران من جهة وإسرائيل والولايات المتحدة من جهة أخرى. يُمكن للحلول البديلة أن تجعل إيران أقل أمناً وأكثر إنكشافاً أمام حرب أخرى بعد سنوات. فمع إنشاء شبكات جديدة من خطوط الأنابيب والسكك الحديدية، على الأرجح خلال العقد القادم، ستضعف تدريجياً قدرة إيران على ردع خصومها من خلال التهديد بتعطيل الملاحة البحرية بإعتبار أنّ الخيارات التجارية البديلة باتت تُقلل إلى حد كبير من المخاطر التي يتعرض لها الإقتصاد العالمي من حصار آخر على هرمز وهو ما قد يُشجع الولايات المتحدة وإسرائيل على شن حرب أخرى على أساس تضاؤل المخاطر الاقتصادية المرتبطة بإغلاق المضيق. ما يعني أنّه بمجرد إنشاء الممرات الإلتفافية، فإن العودة إلى الحرب مع إيران قد تصبح أقل إيلاماً على الاقتصاد العالمي، وبالتالي أكثر إحتمالاً وهو ما يُزيد من الضغوط الجيوسياسية والإقتصادية على دول الخليج.

   إن الخطوط البديلة لن تقضي على قدرة إيران على إستهداف البنية التحتية بشكل كامل. فصادرات الغاز الطبيعي المسال لا تزال تعتمد بشكل كبير على البنية التحتية الثابتة داخل الخليج، في حين أن خطوط الأنابيب والموانئ وممرات السكك الحديدية نفسها تُشكل أهدافاً جديدة للهجوم. لذا، قد تكون الصراعات المستقبلية في الخليج أقل كارثية من الناحية الإقتصادية من أزمة هرمز عام 2026، ولكنها قد تكون أكثر تواتراً وأكثر إنتشاراً جغرافياً. ومن المرجح أن يؤثر درس هرمز على تخطيط البنية التحتية في الخليج لفترة طويلة في المستقبل.

bottom of page