
المنافسة الجيو سياسية وتصدع النظام التجاري العالمي

أن الحرب والمنافسة بين العملاقين تتجاوز مجرد التعريفات والرسوم الجمركية وضوابط التصدير المثيرة للجدل، لأنّ ما بات واضحاً أنّ الجغرافيا السياسية حاضرة في ثنايا العلاقة وتُستخدم كوسيلة لإضعاف الخصم
حتى نهاية عام 2025، كان عدم اليقين بشأن السياسات التجارية نتيجة الرسوم الجمركية الأحادية الجانب التي نشّطتها إجراءات الرئيس الأميركي دونالد ترامب هو الشاغل الإقتصادي العالمي الرئيسي الذي يؤرق الأسواق العالمية. لكن مع مطلع عام 2026 شهدت الأسواق تحولاً محورياً. وبحسب تقرير إستشراف التجارة والتنمية لعام 2026 الصادر عن مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية (UNCTAD)، تجاوزت المخاطر الجيوسياسية المتزايدة، لا سيما تصاعد الصراع في الشرق الأوسط الذي عطّل خطوط الطاقة والشحن، حالة عدم اليقين في السياسات التجارية لتحل محلها وتصبح الشاغل النظامي الرئيسي. هكذا أصبح الإضطراب الجيوسياسي المصدر الرئيس لعدم الإستقرار في الإقتصاد العالمي حيث ساهمت الصراعات في الشرق الأوسط وتعطيل الطرق البحرية الحيوية، بعد إغلاق مضيق هرمز، في خلق بيئة أكثر تقلباً.
الملفت للنظر أنّ هذه المخاطر، عدم اليقين في السياسات التجارية والإضطراب الجيوسياسي، ليست منفصلة عن بعض كما أنّها ليست متناوبة في الإحلال بحيث أنّ هيمنة أحدهما يُزيح الآخر، بل هي مترابطة ومتفاعلة مع بعضهما بشكل وثيق، وبالتالي لم يؤدي تصاعد الإضطراب الجيوسياسي إلى جعل المنافسة التجارية بين الولايات المتحدة والصين أقل أهمية أو في المركز الثاني، بل على العكس كان ذا صلة بها بإعتبار أنّ هناك قدر كبير من التداخل بين الأمرين حيث تتقاطع الحروب التجارية مع التطلعات الجيوسياسية حول مصادر الطاقة والتقنيات المتقدمة. علينا أن نتذكر أنّ حرب الرئيس ترامب على إيران، وهي الحدث الجيوسياسي الأكبر في عام 2026، كانت في إحدى أهدافها تسعى للسيطرة على النفط مثلما فعل مع إستيلائه على نفط فنزويلا لجعل الصين أقل حرية في الوصول إلى مصادر طاقة صديقة ما يحد من طموحها الإقتصادي ويُقيدها في إطار المنافسة التجارية. لقد شنّ الرئيس ترامب حربه على إيران نهاية شباط 2026، أي قبل اللقاء مع الرئيس الصيني شي جينبغ Xi Jinping والذي الذي كان من المزمع عقده في شهر آذار. كانت خطته أن تنهار إيران وتتخلى عن طموحاتها النووية وتقبل بدور أكبر للشركات الأميركية في القطاع النفطي الإيراني قبل عقد القمة ما يجعله أكثر قوة في مواجهة الرئيس شي، لكن هذا لم يتحقق حتى بعد تأجيله اللقاء لأكثر من ستة أسابيع.
وفي جانب ذا صلة، علينا أن نتذكر أيضاً أنّ سيل الإتهامات التي وجهت للصين بدعم إيران وتزويدها بمعدات متقدمة للصواريخ الباليستية بيّن أن الحرب والمنافسة بين العملاقين تتجاوز مجرد التعريفات والرسوم الجمركية وضوابط التصدير المثيرة للجدل، لأنّ ما بات واضحاً أنّ الجغرافيا السياسية حاضرة في ثنايا العلاقة وتُستخدم كوسيلة لإضعاف الخصم، ما يوحي أنّ الترابط بين الحروب التجارية والمنافسة الجيوسياسية مسألة لا يُمكن عزلها عن بعض وإن كان التداخل بينهما ليس مباشراً.
على هذا الأساس، يبدو طبيعياً أن تكون هذه المنافسة الإقتصادية مصحوبة بتداعيات على النطاق الجيوسياسي، وهناك أكثر من شاهد على الطريقة التي تترافق بها التصدعات التجارية بين القوى المهيمنة والصاعدة مع حالة الإنقسام السياسي الأوسع. إذ لم تكن التعريفات الجمركية بما مثّلته من إنحراف عن سياق العولمة ونظام التجارة الحرة والأسواق المفتوحة الذي ساد في العقود السابقة هي التطور الأكثر إثارة للدهشة، بل أن الصدمة الأكبر تمثلت في التصدعات التي أصابت العلاقة الأطلسية والتي جرفتها بعيداً عن الوحدة التي عُرفت بها لثمانين عاماً. أنّ التصرفات التجارية للولايات المتحدة، القائد الغربي القديم، قد أقنعت أعضاء التحالف بأن مصالح واشنطن تتعارض مع مصالحهم ما أعطى الإنطباع أنّ الساحة مهيأة لإنفصال تاريخي في العلاقة بين ضفتي الأطلسي، كانت أولى بوادره بدأت مع خروج بريطانيا من الإتحاد الأوروبي عام 2017. وبدا واضحاً أنّ الدول الغربية تُعيد تنظيم صفوفها وتسعى لتحقيق أهداف جيو-إقتصادية جديدة. ولم تكن نقاط التعارض والإختلاف تتحدد فقط في قضايا جدلية مثل جزيرة غرينلاند، والتعريفات الجمركية، ومستقبل حلف الناتو، بل باتت الدلائل تُشير إلى تحولات أكبر بكثير، حيث تتصادم الحكومات الغربية في مجالات التكنولوجيا والتجارة والتمويل والموارد، وأصبحت الصدمات تُلاحق الإقتصادات التي كانت في يوم من الأيام الأكثر إستقراراً وقابلية للتنبؤ.
عملت هذه التطورات على ترسيخ الإعتقاد بأنّ السياسة العالمية تتحول الآن بعيداً عن التعددية ونحو إستراتيجيات المعاملات المتعددة الإنحيازات. فالأمن القومي يملي الآن السياسات الإقتصادية والتكنولوجية والبيئية، وباتت مجالات التركيز الرئيسة التي تُشغل إهتمامات الدول تتمثل في أمن الموارد، والحوكمة التكنولوجية الصارمة، وتدخل الدولة في القطاع الخاص. وحسب تقرير المخاطر لعام 2026 للمنتدى الاقتصادي العالمي World Economic Forum، أنّ التحديات التي يواجهها العالم خلال السنوات العشر القادمة تتراوح ما بين التوترات الجيو-إقتصادية بين القوى الكُبرى، إلى تصاعد القلق من التغييرات المناخية وما يرتبط بها من فقدان التنوع وإنهيار النظام البيئي، وصولاً إلى التضليل والمعلومات المغلوطة، فضلاً عن زيادة الإستقطاب الاجتماعي، والتداعيات المرتبطة بتكنولوجيا الذكاء الإصطناعي والصراعات على مستوى الدولة.
بشكل عام، يشهد النظام الدولي تحولاً جذرياً، وعلى ما يبدو أنّ هذا التحول مدفوع بإتجاهات ديناميكية متداخلة تتمثل في إعادة توازن القوى، التنافس على الموارد الحيوية والعناصر النادرة، تبني التكنولوجيا ودمجها في سياسات الأمن القومي، والإنقسامات المجتمعية. ومع تفاعل هذه الإتجاهات، فإنها لا تُعيد تشكيل خيارات السياسات عبر الأنظمة فحسب، بل تُغير أيضاً بشكل جذري دور وهدف وعمل الحوكمة العالمية في عالم أكثر تجزئة وتعددية في التحالفات.
إزاء هذه المشاهد تتبدى صورة العلاقات التجارية بين الولايات المتحدة والصين وكأنها تشهد إنفصالاً وحروباً، وهذا ينسحب أيضاً على مشهد العلاقات الأوروبية الأميركية التي تظهر فيه وكأنها تعيد ترتيب صفوفها ما يطرح تساؤلات حول شكل ونمط العلاقات التي ستحكم هذه الدول وهل هناك إحتمال أن تكون هذه مقدمة لتشكيل نظام دولي جديد؟ هل تتقاطع الولايات المتحدة كلياً مع الصين؟، هل سينظم الإتحاد الأوروبي في هذا الصراع وينحاز للصين أو الولايات المتحدة سيما مع سعيه لتطوير مشروع الإستقلال الإستراتيجي عن الولايات المتحدة في إطار حلف الناتو؟.
أخذت السياسة العالمية تبتعد عن التعددية وتتجه أكثر نحو إستراتيجيات المعاملات المتعددة الإنحيازات. فالأمن القومي يملي الآن السياسات الإقتصادية والتكنولوجية والبيئية
الإضطراب في العلاقات الأميركية - الصينية
من المؤكد أنّ الغزو الروسي لأوكرانيا عام 2022 مثلما أسهم في تقسيم الدول على أسس جيوسياسية، ما بين دول إنحازت لأوكرانيا ودول أخرى أتخذت موقف الحياد وليس الإدانة أو التأييد، كذلك أدى هذا الغزو إلى تعطيل مفاصل مهمة في التجارة العالمية وإختبر البنية المالية العالمية، وزاد من حدة التوترات والغموض بشأن مسار العولمة، وعملت العقوبات الغربية التي تم فرضها على روسيا على إعادة توجيه مسارات التجارة بشكل واضح. لقد سبق لجائحة Covid-19، أن كان لها تأثير مشابه على النظام التجاري العالمي بسبب عمليات الإغلاق التي عطلت التجارة والنقل، لكن يبقى للغزو الروسي التأثير الأكبر كونه عمّق من حدة التوترات الجيوسياسية بين دول الغرب من جهة وروسيا والصين من جهة أخرى. ومع أن بدايات الحرب التجارية بين الصين والولايات المتحدة سابقة لواقعة الغزو إلا أنها أصبحت لاحقاً أكثر تأثراً بتداعياته.
مثّلت الحرب التجارية التي شنّتها إدارة الرئيس ترامب الأولى ضد الصين عام 2018 إنحداراً في العلاقات الثنائية. ومع بقاء التعريفات الجمركية سارية في فترة الرئيس ترامب الأولى، تمكن الجانبان من التفاوض على ما سُمي بإتفاق المرحلة الأولى (Phase One Deal) الذي هدف إلى منع المزيد من التصعيد. وفيما بعد، واصل الرئيس جو بايدن العديد من سياسات سلفه، ووسّع بشكل كبير نطاق ضوابط التصدير على بعض المنتجات الحيوية، مثل أشباه الموصلات. لقد أعلنت إدارة الرئيس جو بادين حرب إقتصادية شاملة على الصين على حد تعبير الكاتب المُخضرم إدوارد لوس Edward Luce من صحيفةFinancial Times ، وأن الإدارة الأميركية كانت تُلاحق هدفها المتمثل بإحتواء الصين ومنع صعودها أو تحولها إلى قوة مُهددة للنظام العالمي، مثلما ورد في مقدمة إستراتيجيته للأمن القومي التي صدرت في إكتوبر 2022 والتي جاء فيها بالنص: "تضم جمهورية الصين الشعبية نية، وتتزايد لديها القدرة، على إعادة تشكيل النظام الدولي لصالح نظام يُرجّح كفة الميزان العالمي لصالحها".
في ولايته الثانية، صعّد الرئيس ترامب من تهديداته بفرض تعريفات جمركية بشكل أكبر، في حين فرضت الصين ضوابط تصدير على المعادن الأرضية النادرة، مما أدى إلى نقص عالمي في الإمدادات اللازمة للمواد الضرورية لتصنيع معظم التقنيات. في الحقبة السابقة، صُممت أنظمة التجارة والنقل العابرة للحدود واسعة النطاق لخفض التكاليف، وتوسيع نطاق الوصول، وتقليل الإحتكاكات. وقد أثبتت هذه الأنظمة فعاليتها في بيئة مستقرة نسبياً، لكن الآن، لم يعد بالإمكان إفتراض قابليتها على العمل في ظل الحروب التجارية التي أخذت تتصاعد ما جعل من خيار إعادة تصميم سلاسل التوريد بعيداً عن نقاط الإختناق الإستراتيجية جزءً من ديناميات المنافسة بين العملاقين.
عملت الحرب التجارية بين الصين والولايات المتحدة على إعادة رسم جزئي لبعض ملامح النظام التجاري العالمي تمثل في تخفيض حجم التبادلات بينهما ونقلها الى دول أخرى باتت هي المستفيدة من هذا التحول. تعد عملية Nearshoring بمثابة إستراتيجية عمل سعت إلى نقل عمليات التصنيع أو تكنولوجيا المعلومات أو الإستعانة بمصادر خارجية إلى دولة أجنبية مجاورة. ومن خلال الحفاظ على عمليات قريبة جغرافياً وثقافياً، أُريد للشركات، مثل الشركات الأمريكية التي بدأت تنتقل إلى المكسيك أو الشركات الأوروبية التي أخذت تتطلع إلى أوروبا الشرقية، أن تُحافظ على أوقات تسليم أسرع، وسلاسل توريد أكثر إحكاماً، ومناطق زمنية متداخلة دون تحمل أعباء النقل إلى الخارج. في عام 2025 وحده، أدى تصاعد التعريفات الجمركية بين الإقتصادات الكبرى إلى إعادة توجيه أكثر من 400 مليار دولار من تدفقات التجارة العالمية نحو سلاسل توريد بديلة. لكن بالمقابل تمكنت الصين من تعويض تراجع تجارتها مع الولايات المتحدة بنقل نشاطها إلى شركاء آخرين بحيث إستمرت تجارتها بالنمو.
لقد عملت الصين على نقل جزء كبير من عمليات الإنتاج إلى دول ثالثة مثل فيتنام والمكسيك بحيث يتم تصنيع المنتجات الصينية في تلك الدول ويتم تصديرها إلى الأسواق الأميركية كوجهة نهائية، فضلاً عن أن بعض المنتجات الكاملة تدخل إلى دول مثل فيتنام ويُعاد تصديرها الى الأسواق الأميركية على أنها سلع فيتنامية.
الإنفصال التجاري: حقيقة أم مُبالغة؟
قد يبدو للوهلة الأولى أن النمو في التجارة العالمية بدأ يتركز بشكل متزايد بين الشركاء ذوي التوافق السياسي والشبكات الإقتصادية الموثوقة، لكن الحقيقة أنّ التحول نحو وجهات تجارية جديدة تم في المنتجات الأقل تعقيداً حيث يسهل إيجاد موردين بدلاء، بدليل ان تجارة الصين مع الإتحاد الأوروبي حافظت على وتيرتها المعهودة خلال السنوات السابقة دون أن تتأثر بالحرب التجارية القائمة بين الصين والولايات المتحدة. إذ ما زالت الصين مورداً مهماً لدول الإتحاد الأوروبي في كثير من السلع والمنتجات. لكن هي يُمكن لهذا الواقع أن يستمر طويلاً؟
يميل العديد من الباحثين والخبراء إلى المُحاججة بأنّ الصين لا تزال تفضل العمل في نظام تجاري حر قائم على قواعد واضحة وسلوكيات قابلة للتنبؤ بها وهي تكره حالة عدم اليقين التي تسببت بها سياسات الرئيس ترامب. هذه حقيقة واضحة ولكنها ليست كاملة لأن سبب تمسك الصين بهذا النظام التجاري المفتوح ليس لأنها تؤمن به قيمياً بل لأنّه يخدم أغراضها ويُحقق لها هدف الصعود التلقائي نحو مركز القوة العالمية سيما وأنّ هذا النظام الليبرالي المؤمن بالتجارة الحرة يسمح لإنموذجها الإقتصادي القائم على التصدير بالنمو بشكل مضطرد حتى أنها في العام 2025 حققت رقماً قياسياً في حجم صادراتها من السلع إلى العالم والذي تجاوز مبلغ 3.77 تريليون دولار متفوقة بذلك على الكثير من إقتصادات الدول الصناعية السبع الكبرى (G-7)، ومن المؤكد أنّ ما نجم عن هذا الإنمذوج الاقتصادي أنّ الصين حققت فوائض تجارية في ميزانها التجاري مقابل عجز في إقتصادات القوى الأخرى.
يُمكن ان نلحظ من الجدول أدناه أن الإتجاه التصاعدي للصادرات بعد عام 2018 مهم بصورة خاصة، لأنه يوضح أنّ الحرب التجارية الأمريكية–الصينية لم تؤدِّ إلى إنهيار الصادرات الصينية، بل أعقبتها إعادة توجيه وتنوع أكبر للأسواق وسلاسل الإمداد.
تعتمد الصين بشكل كبير على الصادرات، ليس من أجل تحقيق عوائد ومُدخرات أكبر فحسب بل لجعل العالم مُعتمد لدرجة كبيرة على مُنتجاتها سيما وأنّ الصين وضعت من هدفها أن تكون "مصنع العالم" هدفاً أساسياً للوصول إلى موقع القوة المُهمينة، مع ذلك، يخلق هذا الإعتماد على الصادرات مفارقة: فالصين تعتمد على الأسواق الخارجية نفسها التي تستغلها لتكون مستهلكة لإنتاجها المفرط، على سبيل المثال تُعد الولايات المتحدة أكبر سوق تصدير للصين بفارق كبير، وبالتالي يُصبح من مصلحة الصين أن تُحافظ على علاقات مستقرة مع الأسواق الخارجية، لكن لا يبدو أن الصين تبذل الكثير من الجهود لطمأنة هذه الأسواق التي بدأت تستشعر خطورة الفائض في الصناعات الصينية وتأثيرها على صناعتها المحلية، ما يخلق معضلة للصين في قدرتها على إبقاء الأسواق مفتوحة أمامها. وتبدو مسألة هل أن الصين واعية ومُدركة لحقيقة أنّ هذا الإنموذج يتسبب بنفور الغرب منها موضع جدل. هناك من يعتبر أنّ الصين لا تفطن لهذه الحقيقة أو أنّها تتغافل عنها بشكل مقصود.
شهدت الصين في السنوات الأخيرة تراجع كبير في الطلب المحلي على الإستهلاك مع زيادة المدخرات وهو ما تسبب بمعضلة مُركبة. إنّ تراجع الطلب المحلي أفضى إلى تراجع في أرباح الصادرات الغربية إلى الصين لضعف إقبال المستهلكين، ومن جهة ثانية أدى تراجع الطلب المحلي إلى فوائض في السلع المُنتجة التي وجدت طريقها إلى الأسواق الخارجية بأسعار رخيصة، وبالتالي تسبب هذا الإنموذج الإقتصادي بإغراق أوروبا والولايات المتحدة بفائض من المنتجات الرخيصة والقادرة على المُنافسة مع زيادة مدخرات الصين في وقت تراجعت فيه فرص الشركات الغربية في التربح من السوق الداخلية للصين، وهو ما أثار إستيائهم بسبب التداعيات السلبية على صناعتهم المحلية. هكذا أصبحت الصين القوة التصديرية الأكبر في العالم في وقت أخذت تفقد فيه الإقتصادات الأوروبية آلاف الوظائف شهرياً.
تُوفر الدراسات الاقتصادية التي تقيس تأثير منافسة الواردات الصينية أو الواردات من الدول ذات الأجور المنخفضة على العمالة في قطاع التصنيع منظوراً أوسع لهذه المسألة. لقد توصلت هذه الدراسات إلى إستنتاج دقيق مفاده أنّ العمالة في قطاع التصنيع إنخفضت بشكل كبير في المناطق الأكثر تعرضا لمنافسة الواردات الصينية. لكن بمرور الوقت، خلقت العديد من الإقتصادات الأوروبية وظائف جديدة في الخدمات والقطاعات ذات القيمة الأعلى، وبالتالي إنتعش إجمالي العمالة بشكل عام، على الرغم من أن العمالة في قطاع التصنيع ظلت أقل. مع ذلك تشير تقديرات البنك المركزي الأوروبي إلى أنّ زيادة المنافسة من الشركات المصنعة الصينية ساهمت في خسارة أو نقل ما يقرب من 240 ألف وظيفة في مجال التصنيع في منطقة اليورو خلال الأعوام 2015-2022.
أسهمت هذه الديناميكية في التسبب بالتوترات الجيو-إقتصادية بين الولايات المتحدة والصين، ومع أنّ أوروبا متضررة أيضاً من هذه السياسات التصديرية إلا أنها لغاية الآن لم تبدي حماسة شديدة للتصرف بإجراءات عقابية إزاء الصين مثلما تفعل الولايات المتحدة. السبب يكمن في عدم وجود توافق تام داخل الإتحاد الأوروبي، وعلى ما يبدو أن الصين تراهن كثيراً على هذا المتغير الذي يسمح لها بالإفادة من السوق الأوروبية المُنقسمة على نفسها من جهة والإستمرار بدق أسفين بين أوروبا والولايات المتحدة من جهة ثانية. إن إحتمالات أن تتحالف أوروبا مع الولايات المتحدة تجارياً أمام الصين تبدو ضئيلة في ظل الإنقسام الحالي بينهما، مع ذلك، يرى بعض الخبراء أنّ المنافسة الجيوسياسية ستعيد تشكيل النظام التجاري العالمي على أساس تكتلات تجارية متقابلة إزاء بعضها على أساس مصالح تُعززها الروابط والقيم السياسية المشتركة.
هل هناك فرصة لتحالف أميركي - أوروبي في مواجهة الصين؟
في كتابه المعنون (العصر المتصدع The Fractured Age: كيف ستؤدي عودة الجغرافيا السياسية إلى تقسيم الإقتصاد العالمي)، طرح نيل شيرينغ Neil Shearing، كبير الإقتصاديين في شركة Capital Economics الإستشارية، فكرة بالغة الأهمية مثلما هي مثار جدل ونقاش. لقد أشار إلى أن الإنقسام لا يعني بالضرورة "تراجع العولمة Deglobalising". فالتجارة وغيرها من أشكال العولمة قد لا تنكمش كثيراً، ولن يكون الوضع مشابهاً لإنهيار ثلاثينيات القرن الماضي. لكن التجارة مع المنافسين ستتقلص، بينما ستزداد التجارة مع الحلفاء. ويقترح شيرينغ، على وجه الخصوص، أن العالم سينقسم بين كتلة تتمحور حول الولايات المتحدة وأخرى تتمحور حول الصين، مع وجود عدد من الدول غير المنحازة عالقة بينهما، تسعى جاهدة لتحقيق مصالحها. يُمكن تمثيل تصور شيرينغ من خلال الرسم البياني أدناه لهذه الكتل التجارية.
من الواضح، من الرسم البياني أعلاه، أنّ ثمة تفاوت يضع حلفاء الولايات المتحدة أقوى اقتصادياً من حلفاء الصين، لأنهم يشملون جميع الدول المتقدمة تقريباً. في حين أن روسيا هي الحليف المهم الوحيد للصين. وبالأسعار السوقية، تبلغ حصة الكتلة الأمريكية من الناتج المحلي الإجمالي العالمي 68%، مقابل 26% للكتلة الصينية. وحتى مع تعادل القوة الشرائية، تبلغ حصة الكتلة الأمريكية 50%، مقابل 32% للكتلة الصينية. ومن النقاط المثيرة للجدل التي يطرحها شيرينغ أنّه في حين أن العديد من الدول سترغب في البقاء منفتحة على كلا الجانبين، فإن معظمها سيُجبر على الإختيار. في النهاية، على حد زعمه، ستبقى الدول الأقوى إقتصادياً في العالم أقرب إلى الولايات المتحدة، إما لإعتمادها على مظلتها الأمنية وأسواقها وعملتها، أو لأنها، في نهاية المطاف، لا تثق بالصين أكثر.
لقد إجتهد صانعو السياسات الأمريكيون في التأكيد لنظرائهم الغربيين على أن تبني التكنولوجيا الصينية قد يُعرّض الأفراد والمؤسسات للإختراق الصيني. قبل بضع سنوات، تحديداً في عام 2020، بذلت إدارة الرئيس ترامب الأولى جهوداً حثيثة لإقناع حلفائها الدوليين ومنهم الأوروبيين بعدم تبني تقنية الجيل الخامس اللاسلكية من شركة هواوي Huawei الصينية. وقد حققت هذه الحملة نجاحاً ملحوظاً، حيث تراجعت بريطانيا، على سبيل المثال، عن قرارها بالتعامل مع هواوي وكانت الحجة الرئيسة التي ساقتها الولايات المتحدة ضد شركة هواوي هي أن تبني تقنيتها سيفتح الدول أمام المراقبة والإكراه الاقتصادي. من المفارقة أنّ الإكراه الاقتصادي بات ركناً أساسياً في السياسة الخارجية الأمريكية في تعاملها مع الإتحاد الأوروبي.
كان من المُحتمل أن تُقيد الصين من خلال التنسيق بين الحلفاء والولايات المتحدة لكن هذا بات بعيد المنال في ظل الخلاف بين ضفتي الأطلسي حول جملة من القضايا كان أشدها الضغط الذي أخذت تمارسه الولايات المتحدة بفرض رسوم جمركية عالية على حلفائها ما كشف أنّها تُعطي الأولوية لمصالحها وتتجاهل مصالح الأوروبيين. ولم يتوقف الأمور عند حدود أوروبا بل إمتد لشركاء آخرين أخذت واشنطون تتعامل معهم بطريقة مُستفزة.
لطالما اعتبرت الولايات المتحدة الهند شريكاً أساسياً في معركة إحتواء النفوذ الصيني. لكن سياسات الرئيس ترامب التجارية تسببت بإبعاد حكومة ناريندرا مودي Narendra Modi، إذ فرض تعريفات جمركية باهظة على الهند، وأشاد بباكستان، عدوها التقليدي، ونشر تعليقات على وسائل التواصل الإجتماعي وصف الهند فيها بأنها "جحيم"، وفي العام الماضي 2025، رفعت إدارة الرئيس ترامب من رسوم إصدار سمة الدخول H-1B المُخصصة للعمالة ذوي المهارات العالية إلى مبلغ مائة ألف دولار ما أثر سلباً على الهنود الراغبين في العمل في شركات التكنولوجيا الكبرى مثل Amazon، Apple، Microsoft وغيرها. وفي خطوة لافتة أوضحت أنّ الهند تبتعد عن الولايات المتحدة وتتقرب أكثر نحو الصين، وافق مجلس الوزراء الهندي في آذار 2026 على تخفيف القيود على الإستثمارات الصينية في سبعة قطاعات إستراتيجية لزيادة تدفقات الإستثمار الأجنبي المباشر إلى الشركات الناشئة وشركات التكنولوجيا المتقدمة، وتحسين بيئة الأعمال، ودمج الهند في سلاسل التوريد العالمية.
إن سوء إدارة الولايات المتحدة لعلاقاتها ورابطها التجارية مع شركائها قد لا يدفعهم كلياً نحو الصين لكن يُقربهم أكثر منها دون أن يعني هذا أنّ الصين ستكون لها الأفضلية في إختيارها كشريك على حساب الولايات المتحدة، بل الأكثر إحتمالاً أن الدول ستستمر بالتحوط في تعاملاتها ما بين الصين والولايات المتحدة سيما وأنّ جانب الإستفزاز لا يتعلق بالولايات المتحدة فقط، التي تسببت بهذا التشرذم داخل التكتل الغربي بل أن الصين نفسها مع إستمرارها بإنموذج التصدير ستتسبب بإبتعاد الأوروبيون عنها وربما تدفع بهم للتقرب أكثر من الولايات المتحدة. والمفارقة هنا هي أنّ التحذيرات الأميركية بشأن مخاطر الإعتماد الإقتصادي على الصين لا تخلو من بعض الصحة. لقد أظهرت بكين نفسها رغبة وقدرة على إستخدام هيمنتها على المعادن النادرة وإنتاج المعادن المهمة كسلاح جيوسياسي. وإزاء هذه الحقائق التي تكشف عنها البيئة الجيوسياسية المتقلبة يبدو أنّ إحتمال ظهور تكتلات تجارية متقابلة مرتبط إلى حد بعيد بقرار الصين في تعديل خياراتها وإزالة الأسباب البنيوية التي تجعل الاوربيين والآسيويين أقل نفوراً.
هل تتخلى الصين عن نهج التصدير وتراعي مصالح الشركاء؟
منذ تأسيس جمهورية الصين الشعبية عام 1949، سعت الصين إلى استعادة المكانة التي ترى أنها تستحقها في النظام الدولي، معتبرةً الهيمنة الغربية عقبة أمام عودتها إلى مركزية النظام العالمي. لكنها لم تواجه النظام القائم بالرفض، بل تعاملت معه بصورة براغماتية؛ استفادت من مؤسساته لتسريع صعودها، ثم بدأت، مع اتساع نفوذها، في تحديها من الداخل وتوسيع هامش مناورتها. وتجسدت هذه المقاربة بوضوح في سياسة "الإصلاح والانفتاح" التي إنتهجها الزعيم الصيني دينغ شياو بنغ Deng Xiaoping، والقائمة على إستثمار إنفتاح النظام الليبرالي في خدمة صعود الصين.
وفي عهد شي جين بينغ Xi Jinping، إتخذ هذا النهج بعداً أكثر وضوحاً. فبكين لم تعد تكتفي بالاستفادة من النظام القائم، بل بدأت في بناء شبكات اقتصادية ومالية ومؤسساتية تتمحور حولها، كما تجسد في مبادرة الحزام والطريق التي أطلقت عام 2013 وامتدت إلى أكثر من 150 دولة. ومن خلال ربط اقتصادات الدول النامية والمتقدمة بشبكة من البنية التحتية وسلاسل التوريد والعلاقات المالية، تسعى الصين تدريجياً إلى نقل مركز الثقل الاقتصادي العالمي بعيداً عن المؤسسات التي كرست القيادة الأمريكية منذ الحرب العالمية الثانية.
من الواضح أن الصين تسير بهدوء وفق نهج ثابت يستهدف تحويلها إلى قوة مُهيمنة ولا يبدو أنّها مُستعدة للتراجع عن خططها أو إستراتيجيتها الإقتصادية على الرغم من سيل الإنتقادات الموجهة لها بسبب إنموذجها التنموي القائم على التصدير. تعمد الصين إلى تقديم مُبررات لهذا التفوق الإقتصادي على أنّه نتاج قوى السوق وليس شيء آخر. وفي ورقة مُطولة تم صياغتها بعناية ونُشرت على موقعها الرسمي، سعت وزارة التجارة الصينية إلى تفسير أسباب الطاقة الإنتاجية الفائضة Overcapacity التي تملكها الصين والتي تُسبب تذمر شركائها التجاريين في مسعى منها لدحض الإتهامات الموجهة ضدها سواء من قبل الحكومات الأجنبية أو الإقتصاديين.
سلطت الورقة الضوء على الديناميكيا الصينية في الداخل. أدى إزدهار الإبتكار، وتجمعات التصنيع، والمنافسة المحلية الشديدة إلى دفع المنتجين الصينيين لخفض التكاليف ورفع مستوى الجودة. الشركات الناشئة من رحم السوق المحلية تتمتع بوضع أفضل للمنافسة عالمياً، وهذا ترتب عليه فوائد حقيقية تعود على الآخرين وليس الصين فقط: فقد إنخفضت التكلفة العالمية للكهرباء المولدة من الطاقة الشمسية وطاقة الرياح إلى أكثر من النصف في السنوات الأخيرة، ويعود الفضل في ذلك إلى حد كبير إلى التصنيع والتكنولوجيا الصينية.
ومع أنّ هذه حقائق لا يُمكن دحضها إقتصادياً، إلا أنّ الورقة، وفقاً لرؤية مجلة The Economist، تتغافل عن حقائق أخرى إقتصادية هي السبب وراء إستياء الشركات الغربية. صحيحٌ أن الشركات الصينية تُنتج بتكلفة منخفضة، لكن هذا ليس نتيجة عشوائية للسوق، بل أنّ الحكومة ساهمت في تحقيقه ورعايته. تقدم الحكومة الصينية العديد من أشكال الدعم المباشر لتفضيل شركاتها مثل الإستثمار الحكومي في شركات تصنيع الرقائق الإلكترونية، والأراضي الرخيصة التي توفرها الحكومات المحلية، والقواعد التي تُلزم الشركات الحكومية بالشراء من السوق المحلية. وفي خضم كل هذا، تكمن السياسات، وعلى رأسها شبكة أمان اجتماعي ضعيفة، التي ولّدت معدل إدخار مرتفع باستمرار. وطالما أنّ المدخرات الصينية تفوق إستثماراتها بكثير، فإن صادراتها، بحكم التعريف الإقتصادي، ستتجاوز وارداتها. وقد نتج عن ذلك بناء آلة صناعية تعتمد على الأسواق العالمية كمنفذ رئيسي. إنها حالة دائمة من الإنتاج الصناعي تتجاوز بكثير إحتياجات الصين المحلية في جميع القطاعات تقريباً.
إن الصين قادرة على المنافسة. لكن ما تتنافس معه الشركات الأجنبية ليس فقط الشركات الصينية المرنة والطموحة، بل نهج الدولة الشامل في الصناعة. فالشركات الأجنبية، مهما بلغ حجمها، لا تملك فرصة تُذكر أمام دولة تنموية ذات نهج مركزي. وكما تشير شركة Rhodium Group، وهي شركة أبحاث إقتصادية أمريكية، فقد إقتصر تدخل الدولة الصينية في السابق على عدد قليل من القطاعات التي إعتبرتها استراتيجية؛ أما الآن فهي تنتهج "سياسة صناعية شاملة Industrial Policy of Everything".
تدرك الصين حجم الإستياء الذي تسببت به سياستها الصناعية وإستراتيجيتها التجارية مثلما تعي واقع الخلافات الموجودة بين أوروبا والولايات المتحدة وعدم وجود جُهد منسق بكفاءة لمواجهتها بشكل مشترك، لذا تحرص على إبقاء هذا الإنقسام عبر تقديم فوائد أو تنازلات تجارية ضمن حدود معينة والتعامل مع المطالب الأوروبية بنوع من الإنفتاح النسبي. خلال زيارته للصين نهاية عام 2025 رفقة 40 من رجال الأعمال الفرنسيين، كانت الرسالة الأساسية التي حملها الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون Emanuel Macron قد تمحورت حول تزايد المخاوف في العواصم الأوروبية من أنّ الإنموذج الإقتصادي الصيني القائم على التصدير يُشكل تهديداً وجودياً لصناعاتهم، حتى أنه وصف هذه الإختلالات التجارية أمام الرئيس شي جينبغ بأنّها "باتت لا تُطاق"، ما يؤكد تصاعد المطالب الفرنسية على بكين لتحفيز الإستهلاك وكبح الصادرات، وهو ما كرره ماكرون في لقاء مع قادة الأعمال الفرنسيين والصينيين خلال زيارته.
كان العجز التجاري الفرنسي في السلع مع الصين قد تضاعف خلال العقد الماضي ليصل إلى 47 مليار يورو في عام 2024. وبلغت الإستثمارات الفرنسية في الصين خلال الفترة نفسها ما يقارب أربعة أضعاف الإستثمارات الصينية في فرنسا، لهذا كرّر ماكرون مطالبه بأن تُعيد بكين النظر في علاقاتها التجارية والإستثمارية مع الإتحاد الأوروبي وأن تكون أكثر تعاوناً في نقل التكنولوجيا الصينية إلى فرنسا في مجال الطاقة النظيفة وصناعة البطاريات.
أثنت صحيفة Global Times التابعة للحزب الشيوعي الصيني على الرئيس الفرنسي ماكرون، قائلة إن فرنسا لعبت "دوراً فريداً من نوعه في العلاقات بين الصين والإتحاد الأوروبي"، وشدّدت على أنّ أمام فرنسا "مسؤولية" في مساعدة الكتلة الأوروبية على تطوير سياسة أكثر موضوعية وعقلانية وإستقلالية تجاه الصين. يعكس موقف الصحيفة الصينية إعتقاد بكين، وسياستها، أنّ باريس قادرة على توجيه أوروبا نحو سياسة خارجية أكثر إستقلالية عن الولايات المتحدة وأكثر وداً تجاه الصين.
بعد زيارة الرئيس ماكرون بشهر، زار رئيس وزراء بريطانيا كير ستارمر Keir Starmer الصين، مطلع عام 2026، بصحبة 50 من قادة الأعمال والمال والثقافة في بريطانيا ما كشف عن أولوية الاقتصاد على السياسة في حسابات الزيارة ورغبة بريطانيا في توسيع نطاق أعمال شركاتها في الصين، حتى أن صحيفة صينية مملوكة للدولة وصفت الزيارة بأن بريطانيا تُعيد تقييم علاقتها مع الصين، وأنها تُظهر مستوى من الإستقلالية بعيداً عن قيادة البيت الأبيض.
على ما يبدو أنّ الصين تشن "حملة مُنسقة" لإستمالة دول الإتحاد الأوروبي فرادى مُستفيدة من الشرخ في العلاقات عبر الأطلسي بعد فرض الرئيس ترامب لرسوم جمركية مكثفة تجاه حلفائه وتردده بشأن أوكرانيا، وهي تأمل من خلال التعاملات المنفردة أن تُبطل السياسات العقابية للإتحاد الأوروبي التي يُخطط لتفعيلها. إذ يدرس الإتحاد المضي بقوة في تنفيذ مشروع "صنع في أوروبا" لا سيما الهدف المتعلق بأن يكون 70% من مكونات بعض المنتجات مصنوعاً في أوروبا، مثل السيارات، في إطار سعيه لإعطاء الأولوية للسلع المحلية وتقليل الإعتماد على الصين. كما تخطط بروكسل لتشديد قواعد الإستثمار الأجنبي لضمان عدم إستفادة الشركات الصينية من السوق المفتوحة للإتحاد دون تحقيق فوائد للعمال المحليين وتبادل التكنولوجيا.
من المحتمل أن الصين تعتمد سياسة المُماطلة مع دول الإتحاد الأوروبي خصوصاً أنّ صانعو السياسات في بكين يُشككون في قدرة أوروبا على التوحد أو تحمّل تبعات فرض قيود جديدة على السلع الصينية الرخيصة وعالية الجودة. من شأن هذه الخطوات أن ترفع التكاليف على المستهلكين الأوربيين الحساسين للأسعار، وتعرّض الشركات الأوروبية، التي واصلت الإستثمار في الصناعات الصينية مع تقليص حجم أعمالها محلياً، لردود فعل إنتقامية من بكين. إن ما يُضعف الوحدة في الموقف الأوروبي هو التباين في الأوضاع الاقتصادية ما بين دول الإتحاد ما يؤدي إلى وجود أولويات مختلفة للدول وهذا يُفسر سبب تعامل الصين مع الأوربيين بشكل منفرد وعدم التعامل معهم ككتلة واحدة مثلما أنها تفضل التعامل مع الأوربيين بشكل منفصل عن الولايات المتحدة.
بشكل عام، تعاملت الصين مع زيارة القادة الأوربيين بنوع من التطمين. وعلى الرغم من أنّ وزارة التجارة الصينية كرّرت في موقع حكومي وعودها بإلغاء الإجراءات التقييدية في السوق المحلية وتحفيز الإستهلاك، لكن الأوروبيين ما زالوا يحملون شكوكاً تجاه بكين في أنّه ليس لديها نية كبيرة لإجراء تغيير جذري في إنموذجها الاقتصادي. لكن في شهر تموز 2026، أكد مجلس الوزراء في أول خطة خمسية للصين مخصصة لتعزيز الإستهلاك، إنه بحلول عام 2030، سيستمر النطاق الإجمالي للسوق الإستهلاكية في التوسع، وسيرتفع معدل إستهلاك الأسر بشكل ملحوظ، وسيتم تعزيز دور الإستهلاك في دفع النمو الاقتصادي بشكل أكبر، وهو المطلب الذي يُرضي طموح الأوربيين.
العلاقات التجارية لضبط المنافسة الجيوسياسية
لم تعد العلاقة الاقتصادية بين الولايات المتحدة والصين منفصلة عن الصراع على القوة، لكنها في الوقت نفسه لم تصل إلى مرحلة القطيعة. فواشنطن تعمل على تقليل إعتمادها على الصين في القطاعات التي تراها حيوية لأمنها القومي، بينما تتحرك بكين في الإتجاه نفسه لتقليل إعتمادها على التكنولوجيا الأمريكية. وبينما يصر الطرفان على إستخدام تعبير "تقليل المخاطر-De-risk" بدلاً من "فك الارتباط-Decoupling"، فإن ما يجري فعلياً يتجاوز إعادة تنظيم التجارة إلى إعادة رسم شبكة الاعتماد الاقتصادي وفق اعتبارات الأمن والجغرافيا السياسية.
وتبدو أشباه الموصلات والمعادن الأرضية النادرة أبرز مثال على هذا التحول. فقد كثفت الولايات المتحدة جهودها لبناء مصادر بديلة لسلاسل التوريد الصينية، من معالجة العناصر الأرضية النادرة إلى إنتاج أشباه الموصلات، فيما تسعى الصين إلى تقليل اعتمادها على التكنولوجيا الأمريكية. وتكشف القيود التي فرضتها واشنطن على تصدير بعض الرقائق المتقدمة إلى الصين، والقيود الصينية على العناصر الأرضية النادرة، أن الأدوات الاقتصادية بدأت تؤدي وظيفة تتجاوز التجارة: أصبحت عناصر الإنتاج نفسها أدوات في الصراع على القوة.
لكن المفارقة أن التنافس لم يؤدِ إلى قطع العلاقات التجارية بين البلدين. فحجم الاعتماد المتبادل يجعل الانفصال الكامل مكلفاً للطرفين، ولذلك يبدو أن واشنطن وبكين تحاولان بناء علاقة جديدة تسمح باستمرار التجارة في القطاعات التي يمكن أن تبقى مفتوحة، مع تقليص الإعتماد في القطاعات التي يمكن أن تتحول إلى مصدر ضعف إستراتيجي. وبذلك لا تختفي العولمة الإقتصادية، وإنما تتغير طبيعتها: من ترابط يقوم أساساً على الكفاءة والكلفة إلى ترابط يخضع بصورة متزايدة لحسابات الأمن القومي.
يُركز الرئيس ترامب في الوقت الحاضر على تحقيق الإستقرار في أهم علاقة ثنائية في العالم، دون أن يتعمق أكثر في حل القضايا الهيكلية الرئيسة التي تُمثّل جوهر علاقات بلاده مع الصين مثل: الإنموذج الإقتصادي الصيني القائم على التصدير، مخططات بكين لضمّ تايوان، أو دعمها الفعّال لخصوم الولايات المتحدة مثل إيران وروسيا. وكان من الواضح أنّه مستعد لتجاوز هذه الملفات أو عدم مناقشتها في آخر زيارة له حتى لا تُفسد خططه لضبط العلاقات التجارية مع الصين، ما يؤكد أنّ العلاقات الإقتصادية بين البلدين تتبدل وتتغير لكنها لا تُلغى.
في قمته مع الرئيس شي التي عقدت في شهر آيار 2026، إصطحب الرئيس ترامب معه نحو 12 من أقوى رجال الأعمال في بلاده، بدءاً من إيلون ماسك Elon Musk من شركتي Tesla وسبيس إكس Space X، مروراً بتيم كوك Tim cook، الرئيس التنفيذي لشركة آبل Apple، فضلاً عن جانسين هوانغ Jensen Huang الرئيس التنفيذي لشركة Nvidia، وصولاً إلى كبار المديرين التنفيذيين لشركات المال وإدارة الإصول والصناعات الثقيلة مثل Citi Bank، Black Rock، Blackstone، Goldman Sachs، و Boeing. حاول الرئيس ترامب من جهته أنّ يمنح إعادة ضبط العلاقات الصينية الأميركية طابعاً تجارياً وإقتصادياً بحتاُ وليس جيوسياسياً كنوع من التطمين لبكين وهو ما عكسه تولي وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت Scott Bessent إدارة المفاوضات مع الجانب الصيني قبل عقد القمة بين الرئيسين على عكس الإدارات السابقة التي كان فيها وزير الخارجية أو مستشار الأمن القومي أو كلاهما هما من يُشرفان على ضبط العلاقات مع الصين.
كانت هذه المؤشرات كافية للدلالة على أنّ الأهداف الإقتصادية تطغي على ملفات سياسية مثل تايوان أو الحرب في أوكرانيا لإظهار إلتزامه بالحفاظ على علاقة تجارية مُتميزة. وما يؤكد هذه الأولوية أنّه على موقع البيت الأبيض تم تصوير الصفقات التي أبرمها على أنها إتفاقات تأريخية تُحقق فوائد للعمال والمزارعين والصناعة الأميركية. تم الإتفاق على إنشاء مؤسستين جديدتين هما مجلس التجارة بين الولايات المتحدة والصين ومجلس الإستثمار بين الولايات المتحدة والصين. وافقت الصين مبدئياً على شراء 200 طائرة بوينغ، وستشتري الصين منتجات زراعية أميركية بقيمة 17 مليار دولار للأعوام 2027-2028 فضلاً عن إلتزامها بشراء فول الصويا والدواجن من الولايات المتحدة.
تعامل الولايات المتحدة مع الصين بصورة ثنائية، من دون تنسيق كافٍ مع الاتحاد الأوروبي، يمنح بكين مساحة للمناورة بين الجانبين. فإذا استطاعت الصين أن تفاوض واشنطن على التجارة في الوقت الذي تحافظ فيه على علاقاتها الاقتصادية مع أوروبا، فإنها لا تواجه جبهة غربية موحدة في القضايا الاقتصادية. وفي المقابل، إذا اتجهت الولايات المتحدة إلى بناء سلاسل توريد بديلة من دون مراعاة مصالح شركائها الأوروبيين، فإنها قد تقلل إعتمادها على الصين لكنها تزيد، في الوقت نفسه، إحتمالات التباعد داخل المعسكر الذي يفترض أن ينافسها.
يبدو أنّ التفتت الجيو-اقتصادي أكثر تعقيداً من مجرد انقسام العالم إلى كتلتين. فالصين تحاول الاحتفاظ بالأسواق الأوروبية والآسيوية، والولايات المتحدة تحاول منع إنتقال التكنولوجيا الإستراتيجية إلى الصين، بينما تسعى أوروبا إلى تقليل المخاطر من دون التضحية بالسوق الصينية، وتتحرك دول آسيا بين القوتين وفق مصالحها الخاصة. ولذلك قد لا يكون العالم مقبلاً على كتلتين اقتصاديتين مغلقتين بقدر ما يكون مقبلاً على شبكات اقتصادية متنافسة ومتداخلة. لكن استمرار هذا الإتجاه قد يدفع في النهاية نحو نتيجة أكثر حدة. فإذا أصبحت التكنولوجيا سلعة إستراتيجية، والمعادن النادرة أداة ضغط، والطاقة وسيلة للإكراه، والتعريفات الجمركية أداة تفاوض سياسي، فإن التجارة تفقد تدريجياً حيادها الإقتصادي. وما كان يُحدد في السابق وفق سؤال "من يستطيع إنتاج السلعة بكفاءة أكبر؟" يبدأ في الخضوع لسؤال آخر: "هل يمكن أن يصبح الإعتماد على هذا الطرف مصدر ضعف في حالة الحرب؟".
وعند هذه النقطة يصبح التنافس الأمريكي–الصيني أكثر من حرب تجارية. إنه يتحول إلى صراع على هندسة الإعتماد المتبادل: من يعتمد على من؟ ومن يستطيع أن يقطع سلسلة التوريد في اللحظة التي يحتاج فيها الطرف الآخر إليها؟ ومن يمتلك المواد أو التكنولوجيا أو الأسواق التي تمنحه قدرة على الضغط؟ ولهذا فإن الإتجاه نحو التفتت الجيو-اقتصادي لا يعني بالضرورة أن التجارة بين القوى الكبرى ستتوقف. الأرجح أنها ستستمر، ولكن بصورة مختلفة: تجارة أقل اعتماداً على مصدر واحد، وسلاسل توريد أكثر تنوعاً، وقيود أكبر على القطاعات الحساسة، وإستثمارات تُقيّم ليس فقط على أساس الربحية وإنما على أساس أثرها في الأمن القومي.
ومن ثم لم يعد السؤال الحقيقي هو ما إذا كان الإقتصاد العالمي سينفصل بين الولايات المتحدة والصين، وإنما إلى أي مدى ستسمح القوتان باستمرار الإعتماد المتبادل عندما يصبح هذا الإعتماد جزءاً من ميزان القوة. فإذا تمكنت واشنطن وبكين من إبقاء التجارة مفتوحة مع عزل القطاعات الإستراتيجية عن الصراع، فقد ينشأ نظام من "التنافس المنضبط". أما إذا استمرت كل قوة في تحويل نقاط ضعفها الإقتصادية إلى أهداف للأمن القومي، فقد يتحول تقليل المخاطر تدريجياً إلى فك ارتباط، ومن ثم إلى عالم تجاري أكثر إنقساماً.
وفي هذه الحالة، لن تكون النتيجة بالضرورة عالمَ كتلتين مُغلقتين، بل عالماً تتوزع فيه الدول بين شبكات إقتصادية متنافسة، وتصبح قدرتها على إختيار الشريك مرتبطة بقدرتها على الحفاظ على إستقلالها. وهنا قد تكون الجغرافيا السياسية قد إنتقلت إلى قلب التجارة العالمية: لم تعد التجارة مجرد نتيجة لموازين القوة، بل أصبحت واحدة من الأدوات التي تُصنع بها هذه الموازين.
