top of page
معضلة عدم التناسب بين الحروب المتوسطة والأسلحة المتطورة
صورة شخصية عماد مؤيد

يبدو أنّ حرب إيران التي إستمرت لما يقرب من 40 يوماً، ربما كانت تجربة قدمت إجابات لأسئلة إنشغل بها التفكير الإستراتيجي على مدار ثلاثة عقود تتعلق بالصلة بين التكنولوجيا ونوع الحروب التي يجب خوضها

1_Massicot_Lead_edited.jpg

April 11, 2026

  • Telegram
  • Instagram
  • Facebook
  • X
  • LinkedIn

   عندما تتوقف الحروب يكون الوقت مناسب والفرصة مُتاحة للمُخططين وصُناع القرار للنظر في السياق والمسار الذي مرت به هذه الحروب لإستخلاص الدروس والعبر، لأنه غالباً ما تحطم الحروب التي تم خوضها الكثير من البديهيات التي كانت راسخة كعقائد وتكون مدخلاً لإعادة تقييم القدرات الذاتية والخُطط والإستراتيجيات التي تم إعتمادها. على هذا الأساس يبدو أنّ حرب إيران التي إستمرت لما يقرب من 40 يوماً، من 28 فبراير وحتى إعلان وقف إطلاق النار فجر يوم 8 نيسان، ربما كانت تجربة قدمت إجابات لأسئلة إنشغل بها التفكير الإستراتيجي على مدار ثلاثة عقود، تتعلق بالصلة بين التكنولوجيا ونوع الحروب التي يجب خوضها.

نمط إستراتيجي في تفسير الحرب

   جادل المؤرخ العسكري جيمس ستوكسبري James Stokesbury في كتابه المعنون "تاريخ موجز للحرب الكورية-A Short History of the Korean War"، صدر أول مرة عام 1988، بأن الديمقراطيات التي تنتمي للطبقة الوسطى تُجيد خوض نوعين من الحروب: حروب صغيرة Little Wars يخوضها محاربون مُحترفون ولا تحظى بتغطية إعلامية تُذكر، لأنه غالباً ما تكون أشكال هذه الحرب غير مُثيرة للإنتباه والقلق كونها عبارة عن عمليات إنتشار عسكري محدودة وضربات خاطفة وسريعة. وحروب كبرى Big Wars قد تُثير في البلاد بأسرها، رغماً عنها، حماسة وطنية جارفة. في الحروب الكبرى يشعر المواطنون بأنهم جزء من آلة الحرب. أما في الحروب الصغيرة، فلا يشعرون بذلك. ولا يهم إن كان الجمهور لا يشعر بأنه في حالة حرب، لأنه يجهل إلى حد كبير هذه العمليات العسكرية في المقام الأول.

   إنّ المشكلة، كما يوضح ستوكسبري، لا تكمن في الحروب الصغيرة أو الكبيرة، بل في الحروب متوسطة الحجم Middle-sized Wars، التي يدركها الجمهور جيداً بفضل التغطية الإخبارية على مدار الساعة، لكنه مع ذلك يشعر بالحيرة بشأن أهدافها، مثلما هو الحال مع الحيرة التي أصابت الجمهور الأميركي بخصوص حرب الرئيس ترامب مع إيران. وعلى حد رأي ستوكسبري أن الحرب المتوسطة هي التي تخلق أسوأ مزيج للديمقراطية غير المُحاربة: حيث يكون الجمهور على دراية تامة بأبشع التفاصيل، ولكنه يفتقر إلى السياق الذي يستوعبها فيه، وبالتالي لا يتأثر بها. أما بالنسبة للدولة المُحاربة التي تصف نفسها بأنها ديمقراطية سيجد جمهورها نفسه وسط معضلة أخلاقية ويشعر أنّه واقع تحت ضغط الحفاظ على توازن ما بين الإلتزام الوطني في دعم الحرب وإيجاد المُبررات المقنعة للدفاع عنها وما بين الرغبة في دعم القيم الإنسانية التي تدعو إلى رفض الصراعات الدموية كونها تتسبب بسقوط مدنيين أبرياء ليس لهم دخل في الصراع.

   خلال العقود الماضية، ومع نهاية الحرب الباردة، أخذت الديمقراطيات الصناعية المتقدمة تهجر الحروب متوسطة الحجم ليس لأنّ المعضلة الأخلاقية التي تنشأ بسبب التورط في حروب متوسطة الحجم وما ينجم عنها من صراعات دموية تتسبب بموت أفراد عاديين وهو ما يحط من القيم العالمية التي تُنادي بها الديمقراطيات، هي التي دفعت الدول المتقدمة إلى هجر هذا النوع من الحروب بالدرجة الأولى بل بسبب عوامل أخرى. بالتأكيد كان لنمو الوعي الديمقراطي – الليبرالي دور في تقييد شن الحروب وفرض مسآلة برلمانية وشعبية حول المُبررات المُعلنة من وراء خوضها، لكن من جانب آخر كان للتكنولوجيا حظ أكبر في كسب حروب سريعة وصغيرة من خلال أدوات أكثر تطوراً وبطريقة لا تلفت إنتباه الجمهور لإستنكار الحرب، ما جعل التكنولوجيا تُحقق توازناً مشروطاً ما بين القدرة على كسب الحروب التي باتت صغيرة وسريعة من جهة وعدم التورط في صراعات معقدة تجعل من الجمهور جزء من سياقها من جهة أخرى. بهذا الشكل وفرت التكنولوجيا الفرصة للدول لهجر الحروب متوسطة الحجم التي عادة ما تتطلب جيوش ضخمة وإلتزام عالٍ بتحقيق نتائج سياسية بجوار النتائج العسكرية.

   هذه التكنولوجيا المتقدمة وقدرتها في كسب الحروب الصغيرة كان لها دور واضح في تغيير منظور القادة لمعنى الحرب التي ما عادت تتطللب تلك الأعداد الضخمة من المُجندين والأسلحة التقليدية الثقيلة، وكان الإقتناع بهذه الحقيقة معناه القبول بتغيير واقع الحرب والتعامل معها على أساس تجنب الإنخراط طويل الأمد والإشتباكات المعقدة. بإختصار كان القبول بما توفره التكنولوجيا من إمكانات تختصر عدد القتلى بالنسبة للدولة المُهاجمة وتحقق القدرة على الوصول إلى إصول الخصم الإستراتيجية معناه واقعاً القبول بحقيقة أن الحرب التي يتم خوضها هي حرب صغيرة وأنّ النتائج التي تفرزها مُحددة في نطاقها أي لا تصل إلى مستوى نتائج الحروب متوسطة الحجم.

جيش أصغر وأكثر قوة

   تجدر الإشارة إلى أنّ الحروب الصغيرة تختلف عن الحروب متوسطة الحجم ليس من ناحية النطاق والمدة الزمنية وحجم الأسلحة بل حتى من حيث الأهداف والنتائج السياسية. غالباً ما تكون أهداف الحروب الصغيرة محدودة وتتمثل في تحييد أخطار معينة أو تحطيم قدرة الخصم على تشكيل خطر عسكري عبر تدمير أدوات القوة لديه، وبإمكان التكنولوجيا والأسلحة فائقة التقدم أن تُحقق هذا الغرض بنجاح. لكن في الحروب متوسطة الحجم غالباً ما يكون الهدف أكبر وأوسع ويمتد إلى إرغام الخصم على الإستسلام والقبول بشروط سياسية، وفي هذا النوع من الحروب لا يُمكن للأسلحة المتطورة دائماً أن تُحقق هذا الهدف لأنه يتطلب وسائل أكثر من عسكرية وأدوات أكبر حجماً طبقاً لقوة الخصم ومستوى الرد الذي يُمكن أن يُبديه. وفي حال قررت الدولة خوض حرب سريعة مُعزّزة بالأسلحة المتطورة على أساس التصور أنّها ستُحقق لها نتائج سياسية أكبر، من المُحتمل أن تنشأ مُعضلة عدم التناسب ما بين الأسلحة فائقة التقدم ومحدودية النتائج السياسية التي يُمكن أن تبلغها، وتُصبح المُعضلة أكثر تعقيداً عندما تتورط الدولة أكثر في خضم الصراع وتقترب من هامش الدخول في حرب متوسطة لكنها تتدارك الأمر بعد أن تعي حجم الإستنزاف الذي يُمكن أن يلحق بها، أو يُمكن أن تستمر في الصراع لتجد نفسها أنّها قد باتت فعلاً وسط حرب متوسطة الحجم ومعقدة.

   كانت حرب الخليج الثانية عام 1991، نقطة التحول التي أظهرت القدرة الفائقة للأسلحة المتطورة في كسب حرب سريعة وتحقيق نتائج عسكرية مُرضية تتمثل بتحطيم القدرات العسكرية للخصم وتحييد خطره دون الوصول إلى إحداث تغييرات سياسية كُبرى مثلما هو الحال في حرب 2003. في حرب عام 1991، شنّ التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة هجوماً جوياً على العراق، وفي غضون أربع وعشرين ساعة، سيطرت قوات التحالف على الأجواء وقصفت مواقع إستراتيجية داخل العراق أول الأمر، ثم إستهدفت لاحقاً طائرات التحالف القوات العراقية في الكويت. بالنسبة للتحالف الدولي، كانت حرب الخليج الثانية واحدة من أسرع الإنتصارات وأكثرها حسماً وأقلها إراقة للدماء في التاريخ. ففي غضون أربعة أيام فقط من القتال، حرّرت قوات التحالف الكويت، وألحقت ضرراً بالغاً بقدرات الجيش العراقي، وأسّرت أعداداً هائلة من الجنود، كل ذلك بأقل الخسائر البشرية. خلال هذه "الحرب القصيرة التي دامت 100 ساعة"، لم تتكبد القوات الأمريكية سوى 148 قتيلاً في المعارك، إلى جانب 99 قتيلاً آخرين تكبدهم حلفاؤها في التحالف، وهي واحدة من أكثر النتائج غير المتكافئة في التاريخ العسكري.

   لم تقضي حرب الخليج الثانية نهائياً على الظل الكئيب والإرث المأساوي لحرب فيتنام، بل فتحت الباب مُشرعاً أمام الإستخدام المُكثف للتكنولوجيا المتقدمة في إستراتيجيات الحرب. وكان واضحاً أن عهداً جديداً قد بزغ. فقد تضافرت نقاط القوة العسكرية التقليدية، كالقوة النارية الهائلة والإمداد اللوجستي المتطور، مع نقاط قوة جديدة: أنظمة قراءة البيانات الرقمية، والقنابل الذكية، والإستخبارات الفضائية. باختصار، كانت تجربة مُرضية للغاية للجيش الأمريكي الذي عانى منذ عام 1945 من الإحباط في كوريا والهزيمة في فيتنام. لكن بفضل التكنولوجيا والتنظيم، تمكن من تحقيق نصر عسكري حاسم. وداخل المؤسسة الدفاعية الأميركية، سرعان ما تبلورت رواية تركز على دور التقنيات العسكرية الجديدة في تحقيق النصر، ولا سيما تلك التي إستغلت الرقائق الإلكترونية والثورة الرقمية. ولذلك، لم تكن عاصفة الصحراء Desert Storm حدثاً معزولاً، بل كانت نذيراً وثماراً أولى لما بات يُعرف بـ(الثورة في الشؤون العسكرية Revolution in military Affairs-RMA).

   إن ما أحدثته التكنولوجيا من نتائج غير متوقعة في الميدان العسكري وما تلا ذلك من تفكك الإتحاد السوفيتي وزوال إحتمالات وقوع حرب كبرى، قد شجع الدول المُتقدمة على القبول بالتغييرات الجذرية لمعنى الحرب وطبيعة القتال وتبني مسار إعادة تشكيل الجيوش وفق الإختراقات التكنولوجية التي تم تحقيقها وما يتطلبه ذلك من تطوير للعقائد العسكرية التي تحكم عمل الجيوش جنباً إلى جنب مع الهياكل التنظيمية، وهو ما أدى إلى ظهور إسطورة الجيوش صغيرة الحجم التي تخوض حروباً ذكية ومحدودة النطاق، وكانت الولايات المتحدة في طليعة الدول التي أجرت هذا التغيير. ومع أنّ هذه التكنولوجيا العسكرية كانت ظاهرياً تعِد بنتائج باهرة على صعيد الفوز في الصراعات إلا أنّ بعض النخب العسكرية لم تكُن مقتنعة بالإنجرار كُلياً وراء هذا التحول. فمنذ منتصف عقد التسعينيات، باتت مجموعة صغيرة من كبار المسؤولين العسكريين والمدنيين السابقين في قطاع الدفاع الأميركي مُنزعجة بشدة من طبيعة الجدل الدائر حول نوع الإستراتيجية العسكرية الأمريكية الواجب إتباعها في ظل سطوة التكنولوجيا وما يرتبط بها من تحديد لوضع القوات المُقاتلة.

   إذ على الرغم من الإنتصار الكبير في حرب الخليج التي إستمرت مائة ساعة عام 1991، وأنّ تفوق الجيش الأمريكي بات أمراً محسوماً وأن الأسلحة الأمريكية الأفضل تقنياً في العالم، لكن هذه المجموعة ظلت مُرتابة وتراودها الشكوك إزاء فاعلية الإستراتيجية الجديدة التي يُراد بها الإعتماد بدرجة كبيرة على التكنولوجيا والأسلحة المتقدمة. كانت الاستراتيجية المتأصلة في تركيز رئيس هيئة الأركان المشتركة آنذاك، الجنرال كولن بأول Colin Powell، لا تزال قائمة على القوة النارية وإستنزاف قدرات الخصم، ومُرتكزة على القوة الحاسمة Decisive Force. كانت عقيدة الجنرال باول ذات إلتزام واضح بالطابع التقليدي للحرب من حيث إيمانها أنّ الجيش الأميركي مع حاجته إلى أنظمة الأسلحة المتطورة وباهظة الثمن، إلا أنّه بحاجة ماسة أيضاً إلى الدبابات ومركبات نقل الجنود المدرعة والطائرات المقاتلة الشبحية والغواصات النووية وغيرها من أدوات الحرب التقليدية حتى تستطيع الجيوش والقوات البحرية والجوية خوض معارك ضد جيوش وقوات بحرية وجوية أخرى. لم تكن ثمة حماسة قوية تجاه هذه العقيدة التي تُبشر بإستمرار الحروب المتوسطة الحجم في وقت كان البنتاغون يُفكر في التركيز على حروب سريعة وخاطفة.

 أنّ الحروب الصغيرة تختلف عن الحروب متوسطة الحجم. تكون أهداف الحروب الصغيرة محدودة وتتمثل في تحييد أخطار معينة، لكن في الحروب متوسطة الحجم غالباً ما يكون الهدف أكبر وأوسع ويمتد إلى إرغام الخصم على الإستسلام والقبول بشروط سياسية

   على مدى العقود التي تلت نهاية الحرب الباردة، إهتمت الولايات المتحدة ببناء جيش أصغر حجماً ومُجهز بأسلحة أقل عدداّ والإعتماد أكثر على أسلحة متطورة ودقيقة. بمعنى آخر، إستبدلت الولايات المتحدة قوة عسكرية أكبر وأكثر ديمومة بقوة عسكرية عالية التقنية ولكنها ليست صلبة بقدر يسمح لها بخوض حرب شرسة لأشهر عدة. إذ لطالما عمل الجيش الأمريكي وفقًا لمبدأ مفاده أن الأسلحة المتطورة عالية التقنية، كالمنصات الشبحية Stealth Platforms والذخائر الدقيقة Precision Munitions والتشبيك في إدارة المعركة Networking، قادرة على تحقيق إنتصارات سريعة وحاسمة. لقد منح مخططو الدفاع الأولوية للأسلحة المتطورة باهظة الثمن على حساب إنتاج قوة نيران كافية لمعركة طويلة، وإستمر هذا النمط من التفكير الإستراتيجي الذي فضّل القدرة التقنية على حساب الإمكانات الصناعية الكثيفة في النمو داخل المؤسسة العسكرية رغم حقيقة أنّ بعض الحروب الحديثة إستمرت بحاجتها إلى كم هائل من الذخائر الأساسية المستخدمة في القرن العشرين، مثل قذائف المدفعية والصواريخ.

   بهذا الشكل، تراجعت الولايات المتحدة عن حمى التسلح التقليدي التي تميزت بها خلال فترة الحرب الباردة لقناعتها أن الأسلحة المتطورة تغلب على كثرة الحجم حتى وإن كان الخصوم يعملون على مراكمة السلاح التقليدي لديهم. على سبيل المقارنة، شكّل صاروخ الدفاع الجوي Standard Missile (SM-2)، الذي يُطلق من السفن ودخل الخدمة لأول مرة عام 1979، العمود الفقري لقوات البحرية الأمريكية على مدى نصف القرن الماضي، ومن المتوقع أن يستمر في ذلك في المستقبل المنظور. تضم عائلة صواريخ SM العديد من الطرازات والنسخ اللاحقة، أحدثها SM-6، المصمم ليكون الصاروخ الرئيسي التالي للدفاع الصاروخي الباليستي للبحرية، وهو أكثر قدرة على الدفاع ضد التهديدات فرط الصوتية. ورغم أن SM-6 أكثر تطوراً من الناحية التقنية وأكثر كفاءة من سابقيه، إلا أنّ عدد هذه الصواريخ المتوفرة لدى البنتاغون قليل جداً. فقد طلب الرئيس السابق جو بايدن في ميزانية البنتاغون لعام 2024 ما عدده (125) صاروخاً فقط من طراز SM-6. على النقيض من ذلك، نجد أنّه خلال فترة التوسع العسكري في ثمانينيات القرن الماضي، كانت الحاجة إلى مخزونات فائضة، وإحتياطيات حربية ضخمة، ومخزون زائد كضمانة، أمراً بالغ الأهمية. فقد طلب الرئيس ريغان (1380) صاروخ SM-2 في عام 1985 وحده.

   هذا النوع من الصواريخ يُمكن أن يُستنفذ سريعاً في معارك قصيرة، فعندما ساعدت الولايات المتحدة في الدفاع عن إسرائيل وصد الهجمات الإيرانية في شهر إكتوبر 2024، أطلقت السفن الحربية الأمريكية في ليلة واحدة عشرات الصواريخ الإعتراضية من طراز SM-3 لإسقاط الصواريخ الباليستية الإيرانية وهو ما يعادل إنتاج عام كامل. وبالمثل، فإن الضربات الهجومية على أهداف الحوثيين في اليمن إستنزفت الكثير من مخزونات صواريخ كروز، وهو نفس النوع من الأسلحة الذي قد يكون حاسماً في صراع مُطول مع الصين في المحيط الهادئ.

   يُمكن أن نلحظ التغييرات التي طرأت على الأسلحة التقليدية بسبب الإنحياز للأسلحة فائقة التقدم من خلال مقارنة الأسطول البحري الأميركي بنظيره الصين. لقد بات حجم الإسطول البحري للقوات المسلحة الأميركية، يبلغ ما يقرب من نصف حجمه في عام 1987 إلى جانب أسطول أصغر وأقدم من الطائرات المقاتلة، وإن كانت متطورة، مجهزة فقط للصراعات القصيرة والحادة وعالية الحدة والتي لا يُمكن أن تصمد كثيراً في حرب أطول وأكثر عنفاً. بالمقابل وفي جميع أنحاء المحيط الهادئ، باتت التقديرات تُشير إلى أن قدرة الصين على بناء السفن تفوق قدرة الولايات المتحدة بأضعاف كثيرة، فضلاً عن تقديرات تُبين أنّ ميزانية بكين العسكرية أكثر من ثلاثة أضعاف ما تصرح به علناً، حتى أن روسيا تستثمر مبالغ طائلة في إنتاج الدبابات والصواريخ التقليدية بشكل يفوق ما تنتجه كُل من الولايات المتحدة وأوروبا مُجتمعين.

   كان المُخططون العسكريون الأميركيون يشاهدون بأم أعينهم نمط الحروب التي باتت تسود في الفترة الحالية مثل حرب أوكرانيا وكأنّها نسخة مُشابهة من حروب القرن العشرين التقليدية لا سيما مع كثافة الأسلحة التي تُستخدم فيها. على سبيل المثال، كانت أوكرانيا، في مطلع عام 2025، تستهلك يومياً ما معدله (15) ألف قذيفة مدفعية Artillery عيار 155 ملم، بينما تُنتج الولايات المتحدة فقط 40 ألف منها كل شهر. وعندما حذر جيك سوليفان Jake Sullivan مستشار الأمن القومي الأميركي السابق في شهر ديسمبر 2024، أي قبل حرب إيران بما يُقارب العام ونصف، من أي حرب مع الصين ستؤدي إلى إستنزاف مخزون الأسلحة بسرعة كبيرة، كان التفكير في العمل على زيادة الإنتاج من الأسلحة والذخائر جزء من إهتمامات المُخططين العسكريين لكنه كان بطيئاً وغير قادر على مجاراة الصين وروسيا في كثافة الإنتاج الحربي بسبب من أن العقائد العسكرية التي تُركز على الحرب الذكية كانت ما تزال راسخة، وأنّه من المُستبعد في خُطط البنتاغون أن تخوض الولايات المتحدة هذا النمط من الحروب، بحيث إستمر التركيز أكثر على الأسلحة المتقدمة باهضة الثمن والتي لا تنتج منها كميات كافية.

القيود التي فرضتها التكنولوجيا على أهداف الحرب

   لقد قلبت تكنولوجيا الأسلحة المتقدمة مفهوم الحرب والنصر وغيرت من معطياتهما خلال السنوات اللاحقة مثلما رسمت معالم الإستراتيجيا واجبة التطبيق التي تنسجم مع هذا التغيير، لكن في ذات الوقت ظهرت حدود وقيود تبني هذه الإستراتيجية والتي تمثلت في أنّ الجيوش الصغيرة المُعزّزة بالتكنولوجيا والأسلحة فائقة التقدم لا تصلح لخوض حروب متوسطة الحجم، وفي حال التورط في خوضها نتيجة إغراء القوة غالباً ما تتكشف عندئذ عيوب هذه الإستراتيجيا عندما تنسحب الدولة إلى إتون حرب إستنزاف مُعقدة. إن الطابع الجذاب للأسلحة المتطورة والدقة العسكرية التي تُحققها قد تُغري الدول على الإعتقاد بإمكانية تحقيق أهداف سياسية يتطلب عادة خوض حروب مُطولة للوصول إليها. وبالتالي الإنخراط التدريجي في الصراعات المُعقدة يؤدي إلى التورط في حرب إستنزاف لا تنفع معها الأسلحة فائقة التقدم التي تبدأ تشهد معدل إستنزاف عالٍ بحيث تضطر الدولة إلى العودة إلى الإستراتيجيا والأسلحة التقليدية مثلما هو الحال مع تجارب الولايات المتحدة في حربي أفغانستان 2001 والعراق 2003 عندما دخلتها بإعتبارها حروب سريعة لتتطور لاحقاً إلى عمليات مكافحة تمرد إستغرقت سنوات.

   على ما يبدو أنّ المخاوف الكامنة وراء (عقيدة باول) إذا جاز تسميتها بهذا الشكل كانت مدفوعة بإدراكها المُبكر لعدم التناسب ما بين نوع الأسلحة ونوع الحرب والتأثير النفسي الخدّاع للتكنولوجيا على عقول القادة. إن قلقها كان مُستمد من الأثر الذي يُمكن أن يُسببه الإعتماد الكبير على هذه الأسلحة الجديدة والتكنولوجيا فائقة التقدم وكيف يُمكن أن يولد شعوراً زائفاً بالقوة. كانت أكبر المخاوف تتمثل في أنّ تضمينها في عقائد الجيوش يُمكن أن يؤدي إلى سوء فهم وتقدير لحدود إمكانات التكنولوجيا وقد لا يعي الجنرالات حقيقة أنّ الإعتماد عليها بهذا الشكل معناه أنّها تُلزمهم بسياق عسكري معين وتُحدد نوع الحروب التي تخوضها الجيوش في أنها حروب صغيرة وتُقيّد من قدرتهم على الدخول في حروب أكبر حجماً تتطلع إلى أهداف سياسية أوسع. يُمكن أن يؤدي سوء التصور والإغترار بالإمكانات والشعور بعدم الحاجة إلى جيوش أكبر إلى الإنجرار وراء تدخلات عسكرية تكون مدخلاً للتورط في حرب متوسطة الحجم. وليس غريباً أن مثل هذه المخاوف تحققت لاحقاً.  

   في أواخر عام 2001، بدأ الغزو الذي قادته الولايات المتحدة لأفغانستان ببصمة عسكرية صغيرة. فبعد الضربات الجوية الأولية التي شنتها الولايات المتحدة وبريطانيا على أهداف عسكرية في أفغانستان، أرسلت الولايات المتحدة حوالي 1300 جندي إلى ذلك البلد الفقير. وبدأت المدن التي تسيطر عليها حركة طالبان في التساقط واحدة تلو الأخرى بمساعدة جنود تحالف الشمال الأفغاني. وبحلول كانون الأول 2001، زاد عدد القوات الأمريكية إلى 2500 جندي، حيث قامت القوات بتمشيط منطقة تورا بورا Tora Bora الجبلية بحثاً عن بن لادن. وتمت الإطاحة بحركة طالبان إلى حد كبير، وتم تشكيل حكومة أفغانية مؤقتة.

   بعد هذه الإنتصارات التي تحققت في أوائل العقد الأول من الألفية الجديدة، قرر الرئيس جورج دبليو بوش الإبقاء على قوة عسكرية محدودة لضمان عدم عودة تنظيم القاعدة. لكن هذه الإستراتيجيا لم تُجدي نفعاً لأنه إضطرت بعدها الولايات المتحدة إلى مراكمة القوات في أفغانستان لمواجهة التمر طويل الامد. وبحلول نهاية عام 2007، إرتفع عدد القوات الأمريكية إلى 25 ألف جندي، وكان الوضع الأمني ​​في أفغانستان يتدهور بشكل لا يُمكن السيطرة عليه، حيث كانت حركة طالبان تعيد تنظيم صفوفها، وتزداد نفوذاً في بعض مناطق البلاد. في كانون الأول 2009، أعلن الرئيس باراك أوباما عن زيادة في عدد القوات الأمريكية عبر نشر 30 ألف جندي إضافي في أفغانستان، إضافة إلى 70 ألف جندي سبق أن أذن بنشرهم سلفه جورج بوش. كما زاد حلف الناتو وحلفاء الولايات المتحدة الآخرون قواتهم إلى 50 ألف جندي. وعلى إمتداد 19 عاماً من الصراع في أفغانستان (2001-2020)، تم نشر أكثر من 775 ألف جندي أمريكي، وكثير منهم بشكل متكرر. ووفقاً لإحصاءات وزارة الدفاع، فقد لقي 2300 جندي أميركي حتفهم وأصيب أكثر من 20600 آخرين بجروح. ومنذ عام 2009، حين بدأت الأمم المتحدة بتوثيق الخسائر في صفوف المدنيين بشكل منهجي، أصيب أو قُتل ما لا يقل عن 100 ألف مدني أفغاني خلال عقد من الزمن.

   أوضحت التجربة أعلاه الإعتقاد الخاطئ بقدرة الحرب السريعة المُعززة بالتكنولوجيا الفائقة على تحقيق نصر باهر متبوع بنتائج سياسية طموحة مثلما بيّنت كيف أنّ الحرب الصغيرة التي تبدأ ببصمة عسكرية محدودة يُمكن أن تتطور بمرور الزمن إلى حرب متوسطة الحجم أكثر ضراوة.   

   أيضاً قد تتصور الدولة أنّه يُمكن حشد عدد كبير من القوات ودعمه بالتكنولوجيا والسعي لتحقيق هدف سياسي مع الإلتزام بشرط الحرب الصغيرة. في هذه الحالة تكون القوة العسكرية الضخمة التي يتم حشدها ليس للإستمرار بخوض حرب متوسطة الحجم بل مُخصصة لتحقيق إستراتيجية القوة الساحقة، أي كسب الحرب بسرعة وبأقل عدد من الخسائر البشرية وأنّ تحقيق النصر العسكري السريع يُمكن أن يكون مدخلاً لتحقيق الهدف السياسي. إختبرت الولايات المتحدة هذه الخيارات في حرب العراق 2003. في تلك الحرب، حشّدت الولايات المتحدة أكثر من مائة وخمسين ألف جندي وتمكنت من الوصول إلى بغداد وإسقاط النظام السياسي خلال أقل من ثلاثة أسابيع، لكن محاولة تحقيق هدف الحرب المتمثل في تغيير المشهد الجيوسياسي للشرق الأوسط بفرض الديمقراطية على العراق وتوفير الأمن والإستقرار ورّطها في حرب إستنزاف كانت على شكل مكافحة تمرد إستمر لسنوات عدة.  

   من الواضح أن القيود الديمقراطية الداخلية التي أضعفت من قدرة الدول على شن حروب دون مُبررات معقولة دفعت الدول إلى إعتبار القوة العسكرية المتقدمة هي الحل لمواجهة أخطار معينة وبالتالي تُحقق ما تعتقده توازناً ما بين درأ الخطر بالقوة الساحقة وعدم إنخراط الجمهور في الحرب. لكن يبقى هذا ضمن حدود الحرب الصغيرة، والتفكير في أن تُحقق هذه القوة نتائج سياسية كُبرى يفضي إلى مغالطة حول حدود القوة العسكرية المُدمجة بالتكنولوجيا وربما يورطها أكثر في نزاعات مُعقدة على أساس التصور أنها قادرة على تحقيق النتائج المرغوبة، وفي حال تعذر الوصول إليها تطمع نحو إستخدام المزيد من الأسلحة المتقدمة باهضة الثمن ما يؤدي إلى إستهلاك سريع مُكلف يكون موضوع جدل داخلي وإستنزاف للقدرات في مواجهة الخصوم الآخرين. 

التفكير في قدرة القوة العسكرية المتقدمة على تحقيق نتائج سياسية كُبرى يفضي إلى مغالطة حول حدود القوة العسكرية المُدمجة بالتكنولوجيا وربما يورطها أكثر في نزاعات مُعقدة

الحل من وجهة نظر مُخططي الإستراتيجيا

   بفضل التكنولوجيا التي إمتازت بها الأسلحة الذكية والقدرة على الوصول إلى أهداف عسكرية ومدنية بدقة بالغة باتت نظرية (الصدمة والترويع - shock and awe) وكأنها الحل الإنمذوجي لمعضلة عدم التناسب ما بين التكنولوجيا والهدف السياسي للحرب الصغيرة. إنّ الهدف من (الصدمة والترويع) هو التأثير على إرادة الخصم وتصوراته والسيطرة عليهما، وليس مجرد هزيمته في المعركة. إستندت النظرية إلى فكرة أنّه يُمكن إقناع الخصم أو إجباره على فعل ما تُريده الدولة المُهاجمة أو التوقف عن القيام بأفعال مُضرة من خلال إستخدام قوة تدميرية غير متوقعة تُسبب إرباكاً في الوعي وتجبره على إعادة حساباته. تهدف هذه العقيدة إلى تطبيق قوة هائلة أو ساحقة بأسرع وقت ممكن على الخصم لنزع سلاحه، أو شل حركته، أو جعله عاجز عسكرياً، مع تقليل الخسائر في صفوف الدولة المُهاجمة قدر الإمكان، ويُمكن للتكنولوجيا العسكرية المتطورة والأسلحة المتقدمة أن تُحقق شروط الصدمة هذه. وتتضمن إستراتيجية الصدمة والترويع خصائص تمتد من الحوافز الإيجابية القوية powerful positive incentives، وصولاً إلى تغيير سلوك المجتمعات التي تصفها الولايات المتحدة أنّها مجتمعات إنتحارية suicidal societies نظراً لسلوك التحدي والعناد الذي تتميز به. كانت تجربة قصف اليابان بالأسلحة الذرية عام 1945 مثالاً رئيساً لنظرية (الصدمة والترويع) لتغيير ما أسمته بالسلوك الإنتحاري.

   بحلول صيف عام 1945، كانت اليابان محاصرة، وكان معظم اليابانيين يعانون من الجوع. أحرقت غارات القنابل الحارقة مئات الآلاف من اليابانيين. هُزمت اليابان، لكنها لم تستسلم. كان ولاء اليابانيين للإمبراطور بمثابة إنتحار. لقي عدد لا يُحصى من الجنود اليابانيين حتفهم في هجمات إنتحارية شنوها بإسلوب كاميكازي kamikaze، أو حتى منتحرين مع المدنيين لتجنب الإستسلام. بعد أن دمرت القنبلة النووية الأولى هيروشيما Hiroshima، صوّت مجلس الحرب War Cabinet على مواصلة القتال. بعد تدمير ناغازاكي Nagasaki، وصل التصويت إلى طريق مسدود، ولم يُحسم إلا بتدخل الإمبراطور هيروهيتو Hirohito لإنهاء الحرب. كان بإمكان اليابانيين تحمل آلاف الغارات من قاذفات B-29 التي دمرت مدنهم لكن لم يستطع أي ياباني إستيعاب كيف يمكن لقنبلة واحدة أن تدمر مدينة بأكملها. ببساطة، من الناحية النفسية، صُدموا ورُعبوا حتى إستسلموا.

   في حرب إيران 2026، دخلت الولايات المتحدة الحرب بكل قوتها وهيمنت بعض أغلى الأسلحة في الترسانة الأمريكية على الساعات الأولى من الحرب. فوفقاً لتحليل معهد أبحاث السياسة الخارجية (FPRI)، أنّ الحرب التي أطلقت عليها الولايات المتحدة عملية "الغضب الملحمي Epic Fury" تُعد "أكثر حملة جوية إفتتاحية كثافة في التاريخ الحديث"، متجاوزةً بذلك الأيام الثلاثة الأولى من قصف الناتو لليبيا عام 2011. كان هذا العرض الملحمي والقوة النارية الكثيفة مقصوداً ويُراد به تدمير الخصم ودفعه للإستسلام تطبيقاً لنظرية (الصدمة والترويع). فخلال الساعات الست والثلاثون الأولى من الحرب، أي في يوم ونصف، تم إستهلاك أكثر من 3000 قطعة ذخيرة من الأسلحة الأميركية والإسرائيلية عبارة عن ذخائر موجهة بدقة وصواريخ إعتراضية.

   ووفقاً لتقديرات معهد باين للسياسات العامة Payne Institute for Public Policy، إستخدمت الولايات المتحدة أكثر من 5000 قنبلة وصاروخ موجه وصواريخ اعتراضية بقيمة 16 مليار دولار في الأيام الأربعة الأولى من حربها على إيران، أي في 96 ساعة فقط. وبعد ستة أيام من الحرب، استخدمت الولايات المتحدة أكثر من 300 صاروخ توماهوك، وخلال الأيام الستة عشر الأولى من النزاع، إستهلكت الولايات المتحدة 11,294 قذيفة بتكلفة بلغت حوالي 26 مليار دولار أمريكي. وبحسب ما أشارت إليه تقديرات مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية (CSIS)، أطلقت الولايات المتحدة نحو 850 صاروخاً من طراز توماهوك Tomahawk في الشهر الأول من حرب إيران، وهو عدد أكبر مما أطلقته في أي حملة عسكرية أخرى في التاريخ.

   يبدو واضحاً أنّه ليس من السهل على الدول الوصول إلى هذا التوازن الدقيق ما بين كسب الحروب بسرعة وبكلفة مقبولة من جهة وتحقيق نتائج سياسية مُرضية من جهة أخرى. لأن التكنولوجيا وإن وفّرت ما تحتاجه للجيوش من دعم وقوة إلا أنّها تقتصر على نطاق عسكري، وهي غالباً غير مجدية في تحقيق أغراض على مستوى عالٍ مثل تغيير الأولويات السياسية للخصم ودفعه للإستسلام والقبول بشروط لأن هذا يتطلب الدخول في حرب متوسطة الحجم تنطوي على إستخدام مُكثف لأسلحة تقليدية وحشد قوات عسكرية ضخمة. الخطأ الذي تقع فيه الدولة عندما تستخدم هذه الأسلحة عالية التقنية وتتوقع تحقيق أهداف سياسية، غالباً ما لا تتحقق إلا من خلال حرب أكبر وبإستخدام أدوات أخرى بجوار الأداة العسكرية. وإزاء هذه الحقائق، تظهر المعضلة بشكلها المزدوج في أن التكنولوجيا والأسلحة المتقدمة تقتصر على الكسب السريع للحرب ومُحددة بأهداف عسكرية تتمثل بتحطيم القدرات الهجومية للخصم، ما يعني أنّ أثرها مُحدد بنطاق عسكري فحسب، وإنّ الإفراط في إستخدامها بشكل غير متوازن، في حال عدم الإقتناع بالأثر السياسي المحدود والرغبة في الحصول على المزيد من الأهداف، يُمكن أن يؤدي إلى التورط في حرب أوسع وإستنزاف في المخزون الدفاعي من الأسلحة عالية التقنية ما يُضعف من قدرات الدولة المُهاجمة في مواجهة خصوم آخرين مُحتملين.

   بشكل عام تسبّب هذا النهج بمعضلة إستراتيجية: فهو من جهة ألزم الدول التي تصف نفسها أنّها ديمقراطية بخوض حروب صغيرة وسريعة للحفاظ على التوازن، لكن من جهة أخرى عندما تفتقر الدول المُحاربة للتقييم الصحيح لطبيعة الصراع الذي تنوي خوضه وتدخل حرباً صغيرة على أساس تصورات مغلوطة لتتطور لاحقاً إلى حرب متوسطة، لن يؤدي هذا إلى ذوبان الخطوط الفاصلة بين القيم الإنسانية والأهداف العسكرية والإنغماس في سقوط ضحايا أبرياء مثلما حذر ستوكسبري، بل أنّ الإندفاع والإستمرار في الحرب لتحقيق هدف عسكري بأقصى قوة لتجنب الفشل والإذلال السياسي تكشف عن أكبر نقطة ضعف في هذا النهج وهو أنّ الأسلحة وكميتها بدأت تُستنزف لأنها لم تكن مُصممة لهذا النوع من الحروب.

إبقى على إتصال

  • X
  • Telegram
  • Facebook
  • Twitter
  • LinkedIn

الموقع عبارة عن مدونة شخصية تهتم بنشر كتابات ومؤلفات تناقش وتُحلل التحديات التي ترسم صورة العالم في الألفية الثالثة وتضغط على الدول وصناع القرار لتبني إستراتيجيات بديلة. تمتد قائمة إهتماماتنا من التحديات التي يفرضها الذكاء الإصطناعي وصولاً إلى قضايا المناخ وتداعياتها السياسية والإقتصادية والمُجتمعية، مروراً بالمخاطر الجيوسياسية التي تُعيد تشكيل إستراتيجيات التكيف والمواجهة. نجتهد في قراءة المسارات الجديدة في التفكير الإستراتيجي وكيف نتفاعل إيجاباً مع التغيرات التي تُلقي بثقلها على السياسة والإستراتيجيا والأعمال

emad moayed 

 جميع الحقوق محفوظة للمنصة      2026

bottom of page