top of page
political-alignment-not-just-supply-options-drives-us-hina-decoupling.webp

إتجاهات العالم في عصر الإضطراب الجيوسياسي

ChatGPT Image Jun 4, 2026, 03_27_34 PM.png

كان الإجماع السائد في أوساط النخب السياسية في العالم أن الصين هي الدولة المُرشحة لأن تكون قوة تحريفية. مع ذلك، نجد الآن إنقساماً واضحاً بين الباحثين حول من هي حقاً القوة التعديلية ومن هي القوة المُحافظة على الوضع الراهن

د. عماد مؤيد المرسومي

Aprill 11, 2026

  حتى نهاية عام 2025، كان عدم اليقين بشأن السياسات التجارية وإرتفاع الرسوم الجمركية الأحادية الجانب التي نشّطتها إجراءات الرئيس الأميركي دونالد ترامب هما الشاغل الإقتصادي العالمي الرئيسي الذي يؤرق الأسواق العالمية. لكن مع مطلع عام 2026 شهدت الأسواق تحولاً محورياً، وبحسب تقرير إستشراف التجارة والتنمية لعام 2026 الصادر عن مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية (UNCTAD)، تجاوزت المخاطر الجيوسياسية المتزايدة، لا سيما تصاعد الصراع في الشرق الأوسط الذي عطّل خطوط الطاقة والشحن، حالة عدم اليقين في السياسات التجارية لتصبح الشاغل النظامي الرئيسي. هكذا أصبح عدم الإستقرار الجيوسياسي المصدر الرئيسي لعدم الإستقرار في الاقتصاد العالمي وساهمت الصراعات في الشرق الأوسط، والإضطرابات في الطرق البحرية الحيوية، لا سيما في مضيق هرمز، والتنافس الإستراتيجي على التقنيات المتقدمة بين الدول الكبرى، في خلق بيئة تجارية أكثر تقلباً.

  لم يكن هذا الإنحراف عن سياق العولمة ونظام التجارة الحرة والأسواق المفتوحة الذي ساد في العقود السابقة هو التطور الأكثر إثارة للدهشة، بل أن الصدمة الأكبر تمثلت في التصدعات التي أصابت العلاقة الأطلسية والتي جرفتها بعيداً عن الوحدة التي عُرفت بها لثمانين عاماً. وبغض النظر عن وجهة النظر التي ترى أنّ الدول الغربية أخذت تتجه رويداً نحو الإنفصال وأنّ أقوى تحالف في العالم بدأ يتفكك مع إنتشار إنعدام الثقة وتنامي التطلعات إلى السيادة، إلا أنّ تفكك تحالف وثيق إستمر لعقود طويلة وواجه تحديات لم تكن أقل قسوة مما يواجهه الآن لا يُمكن أن يتم بهذه السرعة سيما وأنّ تحالفاته التجارية المُخطط لها وإعادة توطين سلاسل التوريد بعيداً عن مناطق الإضطراب الجيوسياسي يتطلب من أعضاء التحالف الحفاظ على درجة عالية من موثوقية الروابط السياسية. مع ذلك، يبدو أنّ تصرفات الولايات المتحدة، القائد الغربي القديم، أقنعت أعضاء التحالف بأن مصالح واشنطن تتعارض مع مصالحهم ما أعطى الإنطباع أنّ الساحة مهيأة لإنفصال تاريخي في العلاقة بين ضفتي الأطلسي، كانت أولى بوادره بدأت مع خروج بريطانيا من الإتحاد الأوروبي عام 2017. بدا واضحاً أنّ الدول الغربية تُعيد تنظيم صفوفها وتسعى لتحقيق أهداف جيو-إقتصادية جديدة. ولم تكن نقاط التعارض والإختلاف تتحدد فقط في قضايا جدلية مثل غرينلاند، والتعريفات الجمركية، ومستقبل حلف الناتو، بل تشير الدلائل إلى تحولات أكبر بكثير، حيث تتصادم الحكومات الغربية في مجالات التكنولوجيا والتجارة والتمويل والموارد وباتت الصدمات تُلاحق الإقتصادات التي كانت في يوم من الأيام الأكثر إستقراراً وقابلية للتنبؤ.

  عملت هذه التطورات على ترسيخ حقيقة أنّ السياسة العالمية تتحول الآن بعيداً عن التعددية ونحو إستراتيجيات المعاملات المتعددة الإنحيازات. فالأمن القومي يملي الآن السياسات الاقتصادية والتكنولوجية والبيئية، وباتت مجالات التركيز الرئيسة تشمل أمن الموارد، والحوكمة التكنولوجية الصارمة، وتدخل الدولة في القطاع الخاص. وحسب تقرير المخاطر لعام 2026 للمنتدى الاقتصادي العالمي World Economic Forum، أنّ التحديات التي يواجهها العالم خلال السنوات العشر القادمة تتراوح ما بين التوترات الجيواقتصادية بين القوى الكُبرى، تصاعد القلق من التغييرات المناخية وما يرتبط بها من فقدان التنوع وإنهيار النظام البيئي، التضليل والمعلومات المغلوطة، الاستقطاب الاجتماعي، التداعيات المرتبطة بتكنولوجيا الذكاء الإصطناعي والصراعات على مستوى الدولة

  بشكل عام، يشهد النظام الدولي تحولاً جذرياً، وعلى ما يبدو أنّ هذا التحول مدفوع بإتجاهات ديناميكية متداخلة تتمثل في إعادة توازن القوى، التنافس على الموارد الحيوية والعناصر النادرة، تبني التكنولوجيا ودمجها في سياسات الأمن القومي، والانقسامات المجتمعية. ومع تفاعل هذه الإتجاهات، فإنها لا تُعيد تشكيل خيارات السياسات عبر الأنظمة فحسب، بل تُغير أيضاً بشكل جذري دور وهدف وعمل الحوكمة العالمية في عالم أكثر تجزئة وتعددية في التحالفات.

   باتت العلاقات التجارية بين الصين والولايات المتحدة مؤشر حيوي لقياس ليس فقط درجة التعافي في العلاقات السياسية بين أكبر إقتصادين بل معيار للحكم على طبيعة الإستقرار في قواعد وإتجاهات النظام العالمي

إنفصال النظام التجاري

  من المؤكد أنّ الغزو الروسي لأوكرانيا عام 2022 مثلما أسهم في تقسيم الدول على أسس جيوسياسية، ما بين دول إنحازت لأوكرانيا ودول أخرى أتخذت موقف الحياد وليس الإدانة أو التأييد، كذلك أدى هذا الغزو إلى تعطيل مفاصل مهمة في التجارة العالمية وإختبر البنية المالية العالمية، وزاد من حدة التوترات والغموض بشأن مسار العولمة، وعملت العقوبات الغربية التي تم فرضها على روسيا على إعادة توجيه مسارات التجارة بشكل واضح. لقد سبق لجائحة Covid-19، أن كان لها تأثير مشابه على النظام التجاري العالمي بسبب عمليات الإغلاق التي عطلت التجارة والنقل، لكن يبقى للغزو الروسي التأثير الأكبر كونه عمّق من حدة التوترات الجيوسياسية بين دول الغرب من جهة وروسيا والصين من جهة أخرى. ومع أن بدايات الحرب التجارية بين الصين والولايات المتحدة سابقة لواقعة الغزو إلا أنها أصبحت لاحقاً أكثر تأثراً بتداعياته.

   مثّلت الحرب التجارية التي شنّتها إدارة ترامب الأولى ضد الصين عام 2018 إنحداراً جديداً في العلاقات. ومع بقاء التعريفات الجمركية سارية في فترة الرئيس ترامب الأولى، لكن تمكن الجانبان من التفاوض على ما سُمي بإتفاق المرحلة الأولى (Phase One Deal)  الذي هدف إلى منع المزيد من التصعيد. وفيما بعد، واصل الرئيس جو بايدن العديد من سياسات ترامب، ووسّع بشكل كبير نطاق ضوابط التصدير على بعض المنتجات الحيوية، مثل أشباه الموصلات. لقد أعلنت إدارة الرئيس جو بادين حرب إقتصادية شاملة على الصين على حد تعبير الكاتب المُخضرم إدوارد لوس Edward Luce من صحيفةFinancial Times ، وأن الإدارة الأميركية كانت تُلاحق هدفها المتمثل بإحتواء الصين ومنع صعودها أو تحولها إلى قوة مُهددة للنظام العالمي.

      مثّلت الحرب التجارية التي شنّتها إدارة ترامب الأولى ضد الصين عام 2018 إنحداراً جديداً في العلاقات. ومع بقاء التعريفات الجمركية سارية في فترة الرئيس ترامب الأولى، لكن تمكن الجانبان من التفاوض على ما سُمي بإتفاق المرحلة الأولى (Phase One Deal)  الذي هدف إلى منع المزيد من التصعيد. وفيما بعد، واصل الرئيس جو بايدن العديد من سياسات ترامب، ووسّع بشكل كبير نطاق ضوابط التصدير على بعض المنتجات الحيوية، مثل أشباه الموصلات. لقد أعلنت إدارة الرئيس جو بادين حرب إقتصادية شاملة على الصين على حد تعبير الكاتب المُخضرم إدوارد لوس Edward Luce من صحيفةFinancial Times ، وأن الإدارة الأميركية كانت تُلاحق هدفها المتمثل بإحتواء الصين ومنع صعودها أو تحولها إلى قوة مُهددة للنظام العالمي.

   وفي ولايته الثانية، صعّد الرئيس ترامب من تهديداته بفرض تعريفات جمركية بشكل أكبر، في حين فرضت الصين ضوابط تصدير على المعادن الأرضية النادرة، مما أدى إلى نقص عالمي في الإمدادات اللازمة للمواد الضرورية لتصنيع معظم التقنيات. في الحقبة السابقة، صُممت أنظمة التجارة والنقل العابرة للحدود واسعة النطاق لخفض التكاليف، وتوسيع نطاق الوصول، وتقليل الإحتكاكات. وقد أثبتت هذه الأنظمة فعاليتها في بيئة مستقرة نسبياً، وهو ما لم يعد بالإمكان إفتراضه.

   عملت الحرب التجارية بين الصين والولايات المتحدة على إعادة رسم جزئي لبعض ملامح النظام التجاري العالمي تمثل في تخفيض حجم التبادلات ونقلها الى دول أخرى باتت هي المستفيدة من هذا التحول. تعد عملية Nearshoring بمثابة استراتيجية عمل تهدف إلى نقل عمليات التصنيع أو تكنولوجيا المعلومات أو الاستعانة بمصادر خارجية إلى دولة أجنبية مجاورة. من خلال الحفاظ على عمليات قريبة جغرافياً وثقافياً، تتمتع الشركات، مثل الشركات الأمريكية التي تنتقل إلى المكسيك أو الشركات الأوروبية التي تتطلع إلى أوروبا الشرقية، للحفاظ على أوقات تسليم أسرع، وسلاسل توريد أكثر إحكاماً، ومناطق زمنية متداخلة دون تحمل أعباء النقل إلى الخارج. في عام 2025 وحده، أدى تصاعد التعريفات الجمركية بين الاقتصادات الكبرى إلى إعادة توجيه أكثر من 400 مليار دولار من تدفقات التجارة العالمية بالمقابل إستمرت تجارة الصين مع شركاء آخرين بالنمو.

  مع ذلك عملت الصين على نقل جزء كبير من عمليات الإنتاج إلى دول ثالثة مثل فيتنام والمكسيك بحيث يتم تصنيع المنتجات الصينية في تلك الدول ويتم تصديرها إلى الأسواق الأميركية، فضلاً عن أن بعض المنتجات الكاملة تدخل إلى دول مثل فيتنام ويُعاد تصديرها الى الأسواق الأميركية على أنها سلع فيتنامية.  

   وقد يبدو للوهلة الأولى أن النمو في التجارة العالمية بدأ يتركز بشكل متزايد بين الشركاء ذوي التوافق السياسي والشبكات الاقتصادية الموثوقة، لكن الحقيقة أنّ التحول نحو وجهات تجارية جديدة تم في المنتجات الأقل تعقيداً حيث يسهل إيجاد موردين بدلاء، بدليل ان تجارة الصين مع الإتحاد الأوروبي حافظت على وتيرتها المعهودة خلال السنوات السابقة دون أن تتأثر بالحرب التجارية القائمة بين الصين والولايات المتحدة

   ما بدأ كاضطرابات مؤقتة تطور إلى عملية أوسع نطاقاً من التفتت الجيواقتصادي، وباتت إعتبارات الأمن القومي تدخل في صلب خارطة التجارة، وتشمل هذه الإعتبارات أهدافًا استراتيجية وطنية، مثل المخاوف الأمنية أو تعزيز الإستقلال الذاتي من خلال تقليل الإعتماد على الدول أو المناطق الأخرى، وفي بعض الأحيان، قد تكون نتيجة لأهداف السياسة الاقتصادية المحلية في المقام الأول، مثل الرغبة في تحفيز الإنتاج والتوظيف داخل الحدود الوطنية، أو كرد فعل على التوزيع غير العادل للمكاسب التجارية. وتشير التطورات الأخيرة إلى أن الإعتبارات الجيوسياسية لم تعد لها تأثيرات هامشية على التجارة، بل أصبحت محددات مركزية للسلوك الاقتصادي العالمي.

   يتجه العالم بسرعة نحو كتلتين تجاريتين رئيسيتين، إحداهما تتجه نحو الولايات المتحدة والأخرى نحو الصين. ومن المتوقع أن يترتب على ذلك عواقب اقتصادية وجيوسياسية، مع احتمال استمرار انخفاض التجارة بين الكتلتين.

bottom of page