top of page
796b342919dcb6b40385db0a25d859a79da12878_1888.jpg
هل أصبحت الولايات المتحدة قوة تعديلية للنظام الدولي؟
ChatGPT Image Jun 4, 2026, 03_27_34 PM.png

كان الإجماع السائد في أوساط النخب السياسية في العالم أن الصين هي الدولة المُرشحة لأن تكون قوة تحريفية. مع ذلك، نجد الآن إنقساماً واضحاً بين الباحثين حول من هي حقاً القوة التعديلية ومن هي القوة المُحافظة على الوضع الراهن

د. عماد مؤيد المرسومي

April 11, 2026

   منذ وصول الرئيس دونالد ترامب إلى السلطة للمرة الثانية، وهي النسخة التي بات يُطلق عليها مُصطلح Trump 2.0، باتت الأدبيات تزخر بالحديث عن سرّدية تبدو ملازمة لتحليلات السياسة الخارجية الأميركية وهي أنّ الولايات المتحدة باتت تتبع، بشكل ما، نهج القوة التحريفية وليس قوة الحفاظ على الوضع الراهن. كثيراً ما يُفرّق علماء العلاقات الدولية بين هذين النوعين من القوى، ومن المتفق عليه عموماً أن القوة المُهيمنة تتصرف في ذروة دورها العالمي كقوة مُحافظة على الوضع الراهن Status quo Power، بإعتبارها دولة راضية عن التوزيع الدولي الحالي للقوة، والمعايير القانونية، والترتيبات الأمنية، وتُعطي الأولوية للإستقرار وتدافع عن النظام القائم ضد التغييرات التي تسعى إليها الدول التنقيحية أو التعديلية Revisionist states. قوة الوضع الراهن تعمل قدر الإمكان على إستقرار القواعد التي وضعتها وتمنع خرقها من قبل دول طامحة تحاول تحديها أو تحدي هذه القواعد. وغالباً ما تعمد القوة المُهيمنة إلى وصم الدول التي تتحدى القواعد والمعايير القائمة بنعوت فيها قدر كبير من الإبتذال حتى يتحقق غرض الوصف والتعميم في أنها خارجة عن القانون. إن مصطلحات من قبيل الدول المارقة Rouge States  ومحور الشر Axis of Evil ومحور الإضطرابات Axis if Upheaval هي توصيفات إصطلاحية أطلقتها مؤسسة الخارجية الأميركية للدلالة على وجود دول لا تلتزم بهذه القواعد.

   على العكس من قوى الحفاظ على الوضع الراهن، فإنّ القوة التحريفية أو التعديلية هي الدولة التي تسعى إلى تغيير النظام الدولي بشكل جذري لشعورها بعدم الرضا وتتصادم مع قوى الوضع الراهن التي تبدو راضية عنه بشكل عام وتعمل داخل مؤسساته القائمة. في نظرية العلاقات الدولية، تُفضّل الدول المُراجعة إدخال تعديلات على النظام القائم: قواعده ومعاييره، وتوزيع السلطة والمنافع والمزايا فيه، وهيكله الضمني أو تسلسله الهرمي، وتصنيفاته الإجتماعية التي تمنح المكانة أو الإعتراف. وغالباً ما تتحدى القانون الدولي أو الترتيبات الأمنية في محاولة لعكس نفوذها المتزايد أو أيديولوجيتها، ويُمكن لهذه المساعي التعديلية إن تمتد لتشمل تقسيم أراضيه بين الكيانات السيادية، مثلما هو الحال مع المسعى الروسي للتفاهم مع الولايات المتحدة لتقسيم أراضي أوكرانيا، وغير ذلك.

   يُفهم من هذا أن الرضا وعدم الرضا هو الحافز الأكبر في تشكيل مواقف الدول تجاه النظام العالمي، لكن لا ينبغي أن نُسرف أكثر ونستخدم المصطلح خارج حدوده المعيارية التي صُمم من أجلها ونُسقطه كمقياس مُسلّم به لتحديد صفة هذه الدولة في أنّها تنقيحية أو أنّها من قوى الحفاظ على الوضع الراهن، بحيث نفترض أن كل الدول غير الراضية عن النظام العالمي على أنها تنقيحية. إذ يُمكن لدول عديدة أن تكون غير راضية لكنها لا تتبع أي مُمارسات تحريفية لعدم قدرتها على إحداث تغيير. إن توضيح أورغانسكي Organski في هذا المجال كان مُفيداً في فهم الفروقات الدقيقة بين عدم الرضا عن النظام الدولي والقناعة بالوضع القائم. إذ توجد دول قانعة بالترتيبات القائمة لكنها غير راضية تماماً.

الولايات المتحدة قوة حفاظ على الوضع الراهن

    يعود أصل التمييز بين قوى الحفاظ على الوضع الراهن والقوى التنقيحية إلى الفكر الواقعي الكلاسيكي. ففي كتابه (أزمة العشرين عاماً The Twenty Years' Crisis)، والذي إنتهى المؤلف من كتابته عام 1938 وصدر في أيلول عام 1939 بعد أيام من بدء الحرب العالمية الثانية، جادل المؤرخ الإنجليزي إي. إتش. كار E.H. Carr بأن الأنظمة الدولية ليست محايدة أو دائمة أبداً، بل تعكس مصالح من بنوها. وتميل الدول المُستفيدة من النظام القائم إلى الدفاع عنه، بينما تسعى الدول المُتضررة منه إلى محاولة تغييره ووضع قواعد تتوافق مع مصالحها. من الضروري ضمن هذا السياق أن نتجنب الفهم السطحي للتغيير الذي تُطالب به الدول التعديلية بأنّه مُرادف حتمي للعدوان أو أنه لا يتم إنفاذه إلا من خلال الغزو الإقليمي، بل يُمكن للمساعي التحريفية أن تنجح من خلال الوسائل السلمية وإحلال قواعد جديدة إعتماداً على تزايد قوة الدولة التنقيحية وتراجع هيمنة الدولة القائد في النظام العالمي.

   بعد الحرب الباردة، إعتمدت الولايات المتحدة إستراتيجية هدفت إلى ترسيخ الوضع الراهن للحفاظ على مكانتها كقوة مُهيمنة، وكما لاحظ جون إيكنبيري John Ikenberry في كتابه "ما بعد النصر After Victory"، كانت قوة الولايات المتحدة بعد عام 1945 متأصلة في الدفاع عن مؤسسات تربط الحلفاء والولايات المتحدة ببعض. وقد عملت على تشجيع التجارة القائمة على القواعد، وآليات التشاور مع الحلفاء، وآليات تسوية المنازعات متعددة الأطراف والحد من العمل الأحادي، لكنها قللت أيضاً من حالة عدم اليقين وشجعت على التوافق طويل الأمد. ومن منظور نظامي، كان هذا خياراً مدروساً. فقد فضّلت الولايات المتحدة نظاماً تكون فيه قوتها قابلة للتنبؤ ومُشرّعة بدلًا من أن تكون غير مقيدة ومُتنازع عليها. وقد عززت فترة ما بعد الحرب الباردة هذا التوجه. فعلى الرغم من غياب منافس ندٍّ، ضاعفت واشنطن جهودها بشكل كبير في التوسع المؤسسي وإنفاذ المعايير. وتحمّلت الولايات المتحدة تكاليف باهظة للحفاظ على الأسواق المفتوحة، والضمانات الأمنية، وآليات الإستجابة للأزمات.

   على هذا الأساس، جادل الواقعيين أنّ الولايات المتحدة، بعد أن أصبحت القوة المُهيمنة في النظام، وجدت أنّ مصلحتها تكمن في الحفاظ على النظام الدولي الذي أنشأته والقواعد التي تحكم عمله، وبالتالي تصرفت كقوة مُحافظة ضد خصومها مثل الصين وروسيا الذين لم يترددوا في معارضة هذا النظام من خلال الدعوة لبناء عالم متعدد الأقطاب. وهذه الدعوة بدأت منذ التسعينيات، بعد أن تولى يفغيني بريماكوف Yevgeni Primakov زمام السياسة الخارجية الروسية في عام 1996 حتى أنّه تم تصوير بريماكوف على أنه المؤسس الحقيقي لمبدأ التعددية القطبية بعد أنّ عرض أمام نخبة الكرملين خطة لتطوير محور إستراتيجي ثلاثي بين روسيا والهند والصين وإن هذا سيكون بديلاً للأحادية القطبية التي فرضتها الولايات المتحدة في فترة ما بعد الحرب الباردة.، وكان آخر الدعوات لهذا المبدأ إعلان الرئيسين الروسي (فلاديمير بوتين) والصيني (شي جينبنغ) عن بيان مشترك يدعو لنظام دولي متعدد الأقطاب في إفتتاح دورة الألعاب الأولمبية الشتوية في بكين 4 شباط 2022 قبل غزو روسيا لأوكرانيا بأيام قليلة. 

   كان الإجماع السائد في أوساط النخب السياسية في العالم أن الصين هي الدولة المُرشحة لأن تكون قوة تحريفية، وبدا هذا الإتجاه أكثر وضوحاً منذ منتصف العقد الأول من القرن الحالي مع إستمرار النمو الاقتصادي للصين، حتى أنّ المجتمع الأكاديمي في الولايات المتحدة كان على قناعة شُبه تامة أن صعود الصين التدريجي سيدفع بها إلى التصرف بطرق متهورة وخطيرة بشكل متزايد، وأنّ الصين ستعمل حتماً على زعزعة (النظام القائم على القواعد rules-based order) في مسعى منها للهيمنة العالمية. كان وزير الخارجية الأميركي السابق أنتوني بلينكن Antony Blinken واضحاً في التعبير عن هذه القناعة عندما صرّح في عام 2022: "الصين هي الدولة الوحيدة التي تمتلك النية لإعادة تشكيل النظام الدولي، وتمتلك، على نحوٍ متزايد، القوة الاقتصادية والدبلوماسية والعسكرية والتكنولوجية اللازمة لتحقيق ذلك". وكان هذا الخطاب الذي عُدّ أول عرضٍ علني لنهج الرئيس جو بايدن Joe Biden تجاه الصين، على حد تصور الإدارة الأميركية، قد عكس الشعور بالإحباط من فشل عقود من الإنخراط الاقتصادي والدبلوماسي المباشر لإجبار الحزب الشيوعي الصيني على الإلتزام بالقواعد والاتفاقيات والمؤسسات التي تقودها الولايات المتحدة لكن دون جدوى. مع ذلك، عندما نتصفح المقالات والإتجاهات التحليلية في السنوات القليلة الماضية نجد أن هناك إنقساماً واضحاً بين الباحثين حول من هي حقاً القوة التعديلية ومن هي القوة المُحافظة على الوضع الراهن؟.

يعود أصل التمييز بين قوى الحفاظ على الوضع الراهن والقوى التعديلية إلى الفكر الواقعي الكلاسيكي. ومنذ نهاية الحرب الباردة وجدت الولايات المتحدة أن مصلحتها تكمن في الحفاظ على النظام الذي أنشأته ورسمت ملامحه

إضعاف النظام القائم على القواعد

bottom of page