top of page
796b342919dcb6b40385db0a25d859a79da12878_1888.jpg

هل أصبحت الولايات المتحدة قوة تعديلية للنظام الدولي؟

ChatGPT Image Jun 4, 2026, 03_27_34 PM.png

كان الإجماع السائد في أوساط النخب السياسية في العالم أن الصين هي الدولة المُرشحة لأن تكون قوة تحريفية. مع ذلك، نجد الآن إنقساماً واضحاً بين الباحثين حول من هي حقاً القوة التعديلية ومن هي القوة المُحافظة على الوضع الراهن

د. عماد مؤيد المرسومي

Aprill 11, 2026

   منذ وصول الرئيس دونالد ترامب إلى السلطة للمرة الثانية، وهي النسخة التي بات يُطلق عليها مُصطلح Trump 2.0، باتت الأدبيات تزخر بالحديث عن سرّدية تبدو ملازمة لتحليلات السياسة الخارجية الأميركية وهي أنّ الولايات المتحدة باتت تتبع، بشكل ما، نهج القوة التحريفية وليس قوة الحفاظ على الوضع الراهن. كثيراً ما يُفرّق علماء العلاقات الدولية بين هذين النوعين من القوى، ومن المتفق عليه عموماً أن القوة المُهيمنة تتصرف في ذروة دورها العالمي كقوة مُحافظة على الوضع الراهن Status quo Power، بإعتبارها دولة راضية عن التوزيع الدولي الحالي للقوة، والمعايير القانونية، والترتيبات الأمنية، وتُعطي الأولوية للإستقرار وتدافع عن النظام القائم ضد التغييرات التي تسعى إليها الدول التنقيحية أو التعديلية Revisionist states. قوة الوضع الراهن تعمل قدر الإمكان على إستقرار القواعد التي وضعتها وتمنع خرقها من قبل دول طامحة تحاول تحديها أو تحدي هذه القواعد. وغالباً ما تعمد القوة المُهيمنة إلى وصم الدول التي تتحدى القواعد والمعايير القائمة بنعوت فيها قدر كبير من الإبتذال حتى يتحقق غرض الوصف والتعميم في أنها خارجة عن القانون. إن مصطلحات من قبيل الدول المارقة Rouge States  ومحور الشر Axis of Evil ومحور الإضطرابات Axis of Upheaval هي توصيفات إصطلاحية أطلقتها مؤسسة الخارجية الأميركية للدلالة على وجود دول لا تلتزم بهذه القواعد.
    
على العكس من قوى الحفاظ على الوضع الراهن، فإنّ القوة التحريفية أو التعديلية هي الدولة التي تسعى إلى تغيير النظام الدولي بشكل جذري لشعورها بعدم الرضا وتتصادم مع قوى الوضع الراهن التي تبدو راضية عنه بشكل عام وتعمل داخل مؤسساته القائمة. في نظرية العلاقات الدولية، تُفضّل الدول المُراجعة إدخال تعديلات على النظام القائم: قواعده ومعاييره، وتوزيع السلطة والمنافع والمزايا فيه، وهيكله الضمني أو تسلسله الهرمي، وتصنيفاته الإجتماعية التي تمنح المكانة أو الإعتراف. وغالباً ما تتحدى القانون الدولي أو الترتيبات الأمنية في محاولة لعكس نفوذها المتزايد أو أيديولوجيتها، ويُمكن لهذه المساعي التعديلية إن تمتد لتشمل تقسيم أراضيه بين الكيانات السيادية، مثلما هو الحال مع المسعى الروسي للتفاهم مع الولايات المتحدة لتقسيم أراضي أوكرانيا، وغير ذلك.
     يُفهم من هذا أن الرضا وعدم الرضا هو الحافز الأكبر في تشكيل مواقف الدول تجاه النظام العالمي، لكن لا ينبغي أن نُسرف أكثر ونستخدم المصطلح خارج حدوده المعيارية التي صُمم من أجلها ونُسقطه كمقياس مُسلّم به لتحديد صفة هذه الدولة في أنّها تنقيحية أو أنّها من قوى الحفاظ على الوضع الراهن، بحيث نفترض أن كل الدول غير الراضية عن النظام العالمي على أنها تنقيحية. إذ يُمكن لدول عديدة أن تكون غير راضية لكنها لا تتبع أي مُمارسات تحريفية لعدم قدرتها على إحداث تغيير. إن توضيح أورغانسكي Organski في هذا المجال كان مُفيداً في فهم الفروقات الدقيقة بين عدم الرضا عن النظام الدولي والقناعة بالوضع القائم. إذ توجد دول قانعة بالترتيبات القائمة لكنها غير راضية تماماً.

الولايات المتحدة قوة حفاظ على الوضع الراهن

   يعود أصل التمييز بين قوى الحفاظ على الوضع الراهن والقوى التنقيحية إلى الفكر الواقعي الكلاسيكي. ففي كتابه (أزمة العشرين عاماً The Twenty Years' Crisis)، والذي إنتهى المؤلف من كتابته عام 1938 وصدر في أيلول عام 1939 بعد أيام من بدء الحرب العالمية الثانية، جادل المؤرخ الإنجليزي إي. إتش. كار E.H. Carr بأن الأنظمة الدولية ليست محايدة أو دائمة أبداً، بل تعكس مصالح من بنوها. وتميل الدول المُستفيدة من النظام القائم إلى الدفاع عنه، بينما تسعى الدول المُتضررة منه إلى محاولة تغييره ووضع قواعد تتوافق مع مصالحها. من الضروري ضمن هذا السياق أن نتجنب الفهم السطحي للتغيير الذي تُطالب به الدول التعديلية بأنّه مُرادف حتمي للعدوان أو أنه لا يتم إنفاذه إلا من خلال الغزو الإقليمي، بل يُمكن للمساعي التحريفية أن تنجح من خلال الوسائل السلمية وإحلال قواعد جديدة إعتماداً على تزايد قوة الدولة التنقيحية وتراجع هيمنة الدولة القائد في النظام العالمي.
   بعد الحرب الباردة، إعتمدت الولايات المتحدة إستراتيجية هدفت إلى ترسيخ الوضع الراهن للحفاظ على مكانتها كقوة مُهيمنة، وكما لاحظ جون إيكنبيري John Ikenberry في كتابه "ما بعد النصر After Victory"، كانت قوة الولايات المتحدة بعد عام 1945 متأصلة في الدفاع عن مؤسسات تربط الحلفاء والولايات المتحدة ببعض. وقد عملت على تشجيع التجارة القائمة على القواعد، وآليات التشاور مع الحلفاء، وآليات تسوية المنازعات متعددة الأطراف والحد من العمل الأحادي، لكنها قللت أيضاً من حالة عدم اليقين وشجعت على التوافق طويل الأمد. ومن منظور نظامي، كان هذا خياراً مدروساً. فقد فضّلت الولايات المتحدة نظاماً تكون فيه قوتها قابلة للتنبؤ ومُشرّعة بدلًا من أن تكون غير مقيدة ومُتنازع عليها. وقد عززت فترة ما بعد الحرب الباردة هذا التوجه. فعلى الرغم من غياب منافس ندٍّ، ضاعفت واشنطن جهودها بشكل كبير في التوسع المؤسسي وإنفاذ المعايير. وتحمّلت الولايات المتحدة تكاليف باهظة للحفاظ على الأسواق المفتوحة، والضمانات الأمنية، وآليات الإستجابة للأزمات.
   على هذا الأساس، جادل الواقعيين أنّ الولايات المتحدة، بعد أن أصبحت القوة المُهيمنة في النظام، وجدت أنّ مصلحتها تكمن في الحفاظ على النظام الدولي الذي أنشأته والقواعد التي تحكم عمله، وبالتالي تصرفت كقوة مُحافظة ضد خصومها مثل الصين وروسيا الذين لم يترددوا في معارضة هذا النظام من خلال الدعوة لبناء عالم متعدد الأقطاب. وهذه الدعوة بدأت منذ التسعينيات، بعد أن تولى يفغيني بريماكوف Yevgeni Primakov زمام السياسة الخارجية الروسية في عام 1996 حتى أنّه تم تصوير بريماكوف على أنه المؤسس الحقيقي لمبدأ التعددية القطبية بعد أنّ عرض أمام نخبة الكرملين خطة لتطوير محور إستراتيجي ثلاثي بين روسيا والهند والصين وإن هذا سيكون بديلاً للأحادية القطبية التي فرضتها الولايات المتحدة في فترة ما بعد الحرب الباردة.، وكان آخر الدعوات لهذا المبدأ إعلان الرئيسين الروسي (فلاديمير بوتين) والصيني (شي جينبنغ) عن بيان مشترك يدعو لنظام دولي متعدد الأقطاب في إفتتاح دورة الألعاب الأولمبية الشتوية في بكين 4 شباط 2022 قبل غزو روسيا لأوكرانيا بأيام قليلة. 
   كان الإجماع السائد في أوساط النخب السياسية في العالم أن الصين هي الدولة المُرشحة لأن تكون قوة تحريفية، وبدا هذا الإتجاه أكثر وضوحاً منذ منتصف العقد الأول من القرن الحالي مع إستمرار النمو الاقتصادي للصين، حتى أنّ المجتمع الأكاديمي في الولايات المتحدة كان على قناعة شُبه تامة أن صعود الصين التدريجي سيدفع بها إلى التصرف بطرق متهورة وخطيرة بشكل متزايد، وأنّ الصين ستعمل حتماً على زعزعة (النظام القائم على القواعد rules-based order) في مسعى منها للهيمنة العالمية. كان وزير الخارجية الأميركي السابق أنتوني بلينكن Antony Blinken واضحاً في التعبير عن هذه القناعة عندما صرّح في عام 2022: "الصين هي الدولة الوحيدة التي تمتلك النية لإعادة تشكيل النظام الدولي، وتمتلك، على نحوٍ متزايد، القوة الاقتصادية والدبلوماسية والعسكرية والتكنولوجية اللازمة لتحقيق ذلك". وكان هذا الخطاب الذي عُدّ أول عرضٍ علني لنهج الرئيس جو بايدن Joe Biden تجاه الصين، على حد تصور الإدارة الأميركية، قد عكس الشعور بالإحباط من فشل عقود من الإنخراط الاقتصادي والدبلوماسي المباشر لإجبار الحزب الشيوعي الصيني على الإلتزام بالقواعد والاتفاقيات والمؤسسات التي تقودها الولايات المتحدة لكن دون جدوى. مع ذلك، عندما نتصفح المقالات والإتجاهات التحليلية في السنوات القليلة الماضية نجد أن هناك إنقساماً واضحاً بين الباحثين حول من هي حقاً القوة التعديلية ومن هي القوة المُحافظة على الوضع الراهن؟.

منذ نهاية الحرب الباردة وجدت الولايات المتحدة أن مصلحتها تكمن في الحفاظ على النظام الذي أنشأته ورسمت ملامحه

إضعاف النظام القائم على القواعد

   بعض الكُتاب تبنى إتجاهاً يميل إلى الإعتقاد أن نوايا الصين لا بد من فحصها بعناية قبل إطلاق أحكام مُسبقة كونها لا تُشير بالضرورة إلى نوايا تعديلية للنظام الراهن الذي تنتفع منه، وأنّه خلافاً للنوايا التعديلية، تبدو الصين مُهتمة أكثر بترسيخ مكانتها كشريك موثوق به ومؤسس للنظام القائم لما بعد الحرب العالمية الثانية وذلك لتعزيز دفاع هذا النظام عن السيادة، وأنها لا تُراجع موقفها من النظام الدولي أو تسعى إلى قلبه رأساً على عقب على الأطلاق بقدر ما هي مهتمة بإعادة صياغة تعريفه لقضايا مُحددة ذات طابع غربي مثل معنى حقوق الإنسان. ما يؤكد هذا الإعتقاد أنّ مؤسسة أميركية ذات سمعة عالمية مثل مجلس العلاقات الخارجية (CFR) على قناعة شبه تامة أنّ الصين تعارض ما يُسمى بنظام مناطق النفوذ (Spheres of Influence Model)، الذي يعكس منطق الهيمنة في سياسات القوة، وتؤمن بإمكانية توسيع النظام العالمي القائم على المساواة في السيادة، وسيادة القانون الدولي، والتعاون متعدد الأطراف. وأنّ الصين تبدو أكثر حرصاً للحفاظ على السلام والاستقرار والازدهار في منطقة آسيا والمحيط الهادئ، وربما في جميع أنحاء العالم وأنّ ما يُقلق الصين أكثر هو سياسة خارجية أميركية غير مستقرة يُمكن أن تُعيق مسيرة التنمية والتحديث في الصين. وعلى الرغم من أنّ الصين تبدو راغبة بالحفاظ على القواعد التي يعمل بها النظام الليبرالي الحالي كونه يخدم مصالحها بالدرجة الاولى على صعيد حرية التجارة، لا تزال بعض المؤسسات البحثية الأميركية مقتنعة بفكرة أن الصين قوة تعديلية بطريقة مُمنهجة وتجتهد حالياً في إستثمارنفوذها لتعميم معاييرها على نطاق دولي في إطار الحوكمة العالمية.
  على عكس هذا الإتجاه، نجد أنّ أنّ قسماً من العلماء في العلاقات الدولية والمُنظرين بات يؤمن أن الولايات المتحدة نفسها تتصرف كقوة رجعية revisionist power، خاصة من خلال تحدي النظام الدولي الليبرالي الذي أسسته ما بعد الحرب العالمية الثانية. فبدلاً من التصرف تقليدياً على أنها قوة الوضع الراهن status quo power، فإنها تعمل الآن بشكل متكرر على مُراجعة المعايير الدولية لتناسب مصالحها الخاصة من خلال السياسات الإقتصادية الحمائية، والتشكيك في التحالفات، والإنسحاب من إتفاقيات دولية وتجاهل دور المؤسسات العالمية مثل منظمة الأمم المتحدة ومنظمة التجارة العالمية فضلاً عن ميلها لإستخدام القوة بالإسلوب الإمبريالي للقرن التاسع عشر.
   لم تكن هذه المرة الأولى التي تطفوا فيها على السطح هذه الآراء المُتشنجة التي تُحاجج بأن الولايات المتحدة قوة تعديلية، بل ظهرت لأول مرة في بداية القرن الحادي والعشرين مع ميل إدارة الرئيس الجمهوري جورج دبليو بوش George W. Bush إلى التصرف بطريقة مُنفردة وتجاهل المؤسسات الدولية. ففي العام 2001، قدم لانشين شيانغ Lanxin Xiang أستاذ العلاقات الدولية في الصين، رؤية تُفيد أن النزعة الأحادية الجديدة لإدارة بوش، مثلما هو الحال مع إدارة ترامب حالياً، تتعارض مع "الوضع الراهن" المتمثل في تزايد التعددية في العلاقات الدولية خلال حقبة ما بعد الحرب الباردة، وبالتالي فإن الولايات المتحدة، وليس الصين، هي القوة المُراجعة. ويبدو أنّ هذه الآراء لم تتوقف عند تلك النقطة الزمنية بل بدأت تنضج من جديد مع تشابه السمات بين الإدارتين وأخذت الصورة تتبلور أن ثمة مفارقة تأريخية تشهدها مواقف كُل من الصين والولايات المتحدة من النظام الدولي. فبدلاً من أن تكون الولايات المتحدة هي القوة المُحافظة والصين القوة التعديلية، نجد أنّ الواقع يُنبئ عن عكس ذلك. إذ تسعى الصين إلى الحفاظ على النظام الدولي القائم بينما تعمل الولايات المتحدة بجهد على تغييره. لكن ربما كان من السابق لأوانه القول أنّ الصين والولايات المتحدة يتبادلان الأدوار بشكل معكوس في حال أدركنا أن الولايات المتحدة لا تتبنى تعديلاً مؤسساتياً بقدر ما أن نهجها في السياسة الخارجية أقرب إلى المزاج الشخصي المستوحى من تجارب ذاتية وليس موضوعية.
  يبدو واضحاً أن الرئيس الحالي دونالد ترامب يتصرف وفق القواعد التي سادت العالم في القرن التاسع عشر، ونعني بذلك تحديداً الفترة ما بين الحروب النابليونية والحرب العالمية الأولى (1814-1914)، حيث كانت الدول مُنشغلة بالإستيلاء على الأراضي، وإنشاء المستعمرات ومتابعة حثيثة للإقتصاد التجاري.
  ومنذ توليه السلطة في كانون الثاني 2025، قام الرئيس دونالد ترامب بتبني سلوكيات كشفت عن تجاهل مقصود للمعايير الدولية المؤسساتية، أو ربما أنّها تعكس عزمه الصريح على تحطيم هذه المعايير والقواعد بشكل مقصود. قام الرئيس الأميركي بقصف سبع دول شملت إيران وفنزويلا وسوريا والعراق واليمن ونيجيريا والصومال، وخطَف رئيس دولة، نيكولاس مادورو في فنزويلا وإغتال آخر، المرشد الأعلى في إيران، ومنعت الولايات المتحدة عسكرياً واردات النفط الكوبي في محاولة لإحداث تغيير في النظام، ونفذت عمليات قتل خارج نطاق القضاء لعدد من تجار المخدرات المزعومين في منطقة البحر الكاريبي من خلال قصف قواربهم من قبل عمليات القيادة الجنوبية للبحرية الأمريكية. وحسب صحيفة الغارديان The Guardian البريطانية أنّه منذ أيلول 2025 ولغاية نهاية شهر نيسان 2026 وصل إجمالي عدد السفن الغارقة إلى أكثر من 50 سفينة وإن ما لا يقل عن 177 مشتبهاً بهم قتلوا، دون أن تقدم الحكومة الأمريكية أي دليل على أن السفن كانت تنقل بضائع غير مشروعة أو تكشف عن هويات القتلى. كذلك أعلن الرئيس دونالد ترامب عن مبدأ مونرو Monroe Doctrine الجديد لأمريكا اللاتينية الذي أسماه Donroe Doctrine في إشارة إلى سياسته التي تهدف إلى طرد أي نفوذ أجنبي من أميركا اللاتينية. أيضاً شمل الإتجاه التعديلي التهديد بضم أو إحتلال قناة بنما، وكندا، وجزيرة جرينلاند التابعة للدنمارك، مثلما شنت بلاده حرباً تجارية على العالم أجمع من خلال فرض رسوم جمركية بلغت أكثر من 100% على بعض الدول. كذلك إنسحبت الولايات المتحدة من 66 منظمة ومعاهدة دولية، بما في ذلك منظمة الصحة العالمية وإتفاقية باريس للمناخ، وخفض التمويل للأمم المتحدة بشكل كبير مع إنشاء مؤسسات بديلة بقيادة الولايات المتحدة مثل مجلس ترامب للسلام Board of Peace. وبالطبع، بدأ حرباً ضد إيران لأسباب لا يبدو أن أحداً في إدارة ترامب يفهمها جيداً.
   ولعل السؤال الذي يبرز هنا وسط هذه الحقائق: هل يُمكن للدولة المُهيمنة أن تتصرف كقوة تعديلية؟. يتفق علماء العلاقات الدولية على أنّ القوة المُهيمنة لا تتصرف كقوة تعديلية للنظام إلا في حال باتت قوة مُتراجعة، أي عندما تُدرك أنّ النظام الحالي الذي أنشأته يخدم خصومها أكثر مما يخدمها لذا تعمل على محاولة تعديله بالقوة. والمؤشرات أعلاه ربما توحي بإنطباع أن الولايات المتحدة تتصرف كقوة عظمى متراجعة تحاول جاهدةً منع سقوط نفسها بتقويض كل عنصر من عناصر النظام الذي أسسته. تفقد الولايات المتحدة جزء كبير من نفوذها العالمي سياسياً ودبلوماسياً واقتصادياً وثقافياً، بل وحتى أخلاقياً. الجانب الوحيد من نفوذها الذي لم يتضاءل هو قوتها العسكرية. ولذلك، تعتمد الولايات المتحدة بشكل متزايد على القوة العسكرية لحل المشاكل الدولية. وقد بلغ هذا التوجه ذروته مع الرئيس ترامب، الذي أدى هوسه بالقوة إلى تضخيم دور الجيش في السياسة الخارجية الأمريكية.
  بهذا نفهم أنّ الرغبة في تغيير القواعد والأسس يعكس عدم الرضا عن الوضع الراهن والإستعداد لتغيير آلية عمل النظام بما يخدم مصالح الدولة. أي أنّ الدولة المُهيمنة، وليس الدولة الصاعدة، يُمكن أن تشعر بحالة عدم الرضا عن النظام القائم. وقد تبدو هذه مفارقة إستثنائية أن القوة المُهيمنة تعمل على تغيير القواعد والنظام الذي أنشأته لأنه لم يعد مناسباً لها، لكنها حقيقة مقبولة من ناحية أنّ ما يهم الدولة المُهيمنة هو حجم القوة النسبية التي تملكها مقارنة بخصومها، وفي حال شعرت أنّ الفجوة بدأت تتقلص بالضد منها ستعمد إلى إستخدام قوتها وهيمنتها على النظام العالمي لوضع معايير وقواعد جديدة تخدمها بالدرجة الأولى وتُقلص من قوة خصومها. يبدو أن الرئيس ترامب خلص إلى هذه النتيجة وبدأ بإستخدام الرسوم الجمركية والعقوبات بشكل مُفرط في محاولة لتغيير قواعد إدارة التجارة الدولية التي إعتاد عليها النظام لسنوات، والهدف جلب المنافع للإقتصاد الأميركي والإضرار تجارياً بخصومه.

يتفق علماء العلاقات الدولية على أن الدولة المُهيمنة لا تتصرف كقوة تعديلية للنظام إلا في حال باتت قوة مُتراجعة، وعندما تُدرك أن النظام الذي أنشأته يخدم خصومها أكثر ما يخدم مصالحها

المؤسسة أم الذات: تفسير النهج التحريفي

  لقد سبق لهانز مورغنثاو Hans Morgenthau أنّ طوّر جزئياً إشكالية الدول الكُبرى المُحافظة في تغيير القواعد في كتابه "السياسة بين الأمم"، عندما ميّز بين الحفاظ على الوضع الراهن والسياسات الإمبريالية، مؤكداً أن الدول تسعى إلى التغيير عندما تعتقد أن الترتيبات القائمة تُقيّد سلطتها أو إستقلالها. ينبغي الإنتباه إلى أنّ هذه الفكرة كانت عامة ومُجردة ولم تكن مُخصصة للحديث عن القوة المُهيمنة، لكن يُفهم من تحليلاته أنّ مسعى التغيير لا يُمكن أن يقتصر فقط على القوى الصاعدة بل أنّ الدول الكُبرى المُحافظة التي تشعر بعدم التوافق بين مصالحها والقيود المؤسسية الدولية قد تكون دولة تنقيحية بسياسات إمبريالية.
  ولو أردنا البحث في الأدبيات التي تحدثت عن النزعة التحريفية للدولة المُهيمنة بشكل مُحدد سنجد ضالتنا عند روبرت غيلبين Robert Gilpin الذي أشار إلى هذا الأمر صراحة في شرحه المُعمق لنظرية إنتقال السلطة Power Transition Theory في متن كتابه الكلاسيكي "الحرب والتغيير في السياسة العالمية". إعتقد غيلبين أن المُراجعة تظهر عندما تعجز القوة المهيمنة، أو لا ترغب، في تحمل تكاليف الحفاظ على النظام وتسعى إلى تغيير نظام الحكم نفسه، بما في ذلك قواعد التجارة والأمن والشرعية والسلطة. وبالتالي خلافاً للتحليلات التقليدية التي تفترض أن المُراجعة حِكراً على الدول الصاعدة المنافسة، يبدو تحليل غيلبين مطابق لما تقوم به الولايات المتحدة حالياً.
   من الصعب جداً الحُكم على أنّ الولايات المتحدة تتبنى سياسة تنقيحية للنظام العالمي مُستمدة من رؤية مؤسساتية موضوعية ترتبط بالتحول في ميزان القوى العالمي سيما مع وجود فوارق تنفي عن الولايات المتحدة أنها مُتراجعة وأن حالها مثل حال بريطانيا أو فرنسا عندما حاولتا في حرب السويس 1956 تحدي قواعد ومعايير النظام القائم لوقف تراجعهما لكنهما فشلتا في ذلك. في رأينا أن المُسببات والدوافع لهذا التحول في السياسة الخارجية الأميركية هي ذاتية أكثر منها موضوعية، أي مرتبطة بشخص صانع القرار والمنهج المعرفي Cognitive Approach الذي يُبين الطريقة التي يُدرك بها صانع القرار العالم ويتصرف في ضوء هذه المُدركات. قطعاً لا يبدو دونالد ترامب أنّه يتبع نصيحة أو إقتباس سلفه الرئيس جون كينيدي John F. Kennedy الذي قال ذات مرة في خطاب له في مدينة سولت ليك في ولاية يوتاه Utah شهر أيلول 1963، أي قبل إغتياله بأقل من شهرين: "إن الغرض من السياسة الخارجية ليس توفير متنفس لمشاعرنا الخاصة من الأمل أو السخط؛ بل هو تشكيل الأحداث الحقيقية في عالم حقيقي". على العكس من ذلك، جعل الرئيس ترامب من السياسة الخارجية أداة لعكس سخطه وغضبه من القواعد السابقة.
  في دراسة تعود لعام 2020، جادل كُل من أليس كارمازين Aleš Karmazin، و نيك هاينك Nik Hynek من خلال المراجعة التأريخية لسلوكيات القوى العظمى وتحديداً روسيا والولايات المتحدة والصين، أنّ هذه القوى لا تتبع نهجاً موحداً فيما يتعلق بتطبيقها للنزعة التحريفية Revisionism. كل دولة تكون محكومة بالتكوينات الداخلية، بما في ذلك النزعات الشعبوية المحلية، وسلطة الرؤساء الوطنيين الممنوحة لهم وخطاباتهم الإستراتيجية، ورؤية كل دولة وفهمها لموقعها في النظام الدولي. في كل حالة، حدد المؤلفان نمطاً مختلفاً من عملية المُراجعة للنظام: تتميز روسيا بنزعتها "الحربية" لتحقيق المُراجعة وترسيخ مكانتها كقوة عظمى. دونالد ترامب يتميز بنزعة تحريفية مُناهضة للعقائد والمبادئ السياسية على مستوى الداخل والخارج، بينما تسعى الصين لتحقيق مُراجعة تنقيحية سعياً وراء القوة والمكانة. وكل هذه العوامل تُسهم في تفكيك متعدد الأوجه لفكرة التنقيحية وتبتعد عن تقديم نهج متماسك لها.  
  سلطت هذه الدراسة الضوء على حقيقة غير مُدركة بشكل كامل وهي أنّ سلوكيات الدول الكُبرى من النظام الدولي غير متشابهة نتيجة لإختلاف فهم الدول لمُراجعة النظام الدولي، وبالتالي يبدو أنّ هذا ينسجم مع مُحاججة كريستين هوبويل Kristen Hopewell التي أظهرت حذراً شديداً تجاه التبسيط المُتعمد لوصف الدول على أنها مُراجعة أو قوة حفاظ على الوضع الراهن بناءاً على مؤشرات ضعيفة ونمطية. هي تعتبر أنّ هذا النهج يغفل عن رؤية الكثير من الحقائق والإكتفاء فقط برؤية الإعتبارات الظاهرة، وأنّ هناك تحولات أعمق في النظام الدولي ولا يُمكن ردها ببساطة إلى هذه الثنائية السطحية للسلوكيات كونها تتجاهل الطبيعة المتغيرة والمتعددة الأوجه والمتنازع عليها للمعايير والقواعد والمبادئ الدولية، حيث أنّ كل طرف يعمل على تقديم مواقفه المتضاربة على أنها مُستمدة من معايير ومبادئ راسخة، بينما تُصوّر القوى الأخرى كتهديد للنظام.
  إنّ الروايات التقليدية والنقاشات القائمة حول القوى المُراجعة مقابل القوى المُحافظة على الوضع الراهن غالباً ما تغفل حقيقة وجود معايير متعددة ومتضاربة في أنظمة الحكم القائمة، وأن قواعد العديد من الأنظمة محل نزاع وليست ثابتة وجامدة، وأن المؤسسات الدولية عادة ما تكون ساحة لتنافس حاد حول القواعد والمعايير والمبادئ التي تحكم النظام الدولي ويُعد هذا السلوك جزءاً طبيعياً من النظام. حيث يُمثّل التفاوض المستمر بين الدول لإصلاح القواعد سمة مقصودة للنظام ومُدمجة في تصميمه. فالنظام الدولي الليبرالي هو نظام مؤسسي، بمعنى نظام يتمحور حول المؤسسات ومُتأصّل فيها. ويُمثّل التنافس المعاصر بين الدول، جزئياً، صراعاً على السلطة المؤسسية أي القدرة على صياغة قواعد المؤسسات الدولية لتوجيه أفعال الآخرين وتقييدها لكن هذه القواعد ليست "مُستقرة"، ولم تكن كذلك قط. 
   وهنا تكتسب ملاحظة إي. إتش. كار E.H. Carr أهمية مُضافة بإشارته الذكية قبل عقود طويلة أن الأنظمة الدولية ليست محايدة بل تعكس مصالح من بنوها، وأنّ الدول المُتضررة من النظام القائم تسعى إلى محاولة تغييره ووضع قواعد تتوافق مع مصالحها. وهذا ينسجم مع فكرة هوبويل أنّ الولايات المتحدة ما تزال مُدمجة داخل إطار النظام المؤسساتي الدولي لكنها تُريد إعادة صياغة للقواعد والمعايير التي هي بطبيعتها مرنة وموضوع للتفاوض والمُنافسة كذلك، وبالتالي يبحث دونالد ترامب عن أكبر صفقة ناجحة تنتفع بها الولايات المتحدة من خلال القوة والتفاوض مع الآخرين لتغيير قواعد عمل النظام الدولي، مثلاً ما يتعلق منها بالتجارة والرسوم الجمركية، وهو ما يُبين عزمه على إستبدال قواعد جديدة بأخرى قديمة دون أن يهدم كامل النظام.
  نحن نزعم أنّ الحكم على الدولة ما إذا كانت قوة تنقيحية أو قوة حفاظ على الوضع الراهن يشترط أن يكون هذا التوجه مُدمج في وعيها المؤسساتي، أي يتم تبنيه كنهج على مستوى الوثائق والمؤسسات والسياسات التي تحظى بإجماع وطني أكثر من كونه موضوع مُرتبط بتوجه إدارة سياسية في مرحلة زمنية مؤقتة. غالباً ما تُدرك القوى الكُبرى أهمية المراجعة من خلال عدسة عدم ملائمة النظام لمصالحها وعدم رضاها عنه على أساس مُدركات صُناع القرار. ومثلما يُشير الواقعيين الجُدد Neorealist أن الدول تتعامل مع القيود والضوابط في النظام الدولي تبعاً للطريقة التي يُدرك بها القادة هذه الحقائق، فالجانب الموضوعي "وجود القيود" مُكمل للجانب الذاتي "الطريقة التي يُدرك بها صناع القرار هذه القيود". هذا التوصيف الواقعي يسمح بتفسير لماذا  أنّ الدول تتعرض للإنهيار في وقت كانت فيه الفرص مُتاحة لتجنب الإنهيار وتحييد القيود، والسبب لأنّ صُناع القرار لم يدركو بشكل كافٍ هذه القيود والمُتغيرات ويستجيبوا لها بسرعة وفاعلية. ولعل تجربة بريطانيا بعد الحرب العالمية الثانية التي تعاملت ببطأ وكسل مع ضرورة إجراء تغيير إستراتيجي في الدور العالمي تُعد إنموذجاً.

السلطة في الداخل والقوة في الخارج

   أن عدم رضا الولايات المتحدة عن قواعد النظام القائم هو مستمد في الأصل من مدركات الرئيس دونالد ترامب الذي وصل إلى قناعة أنّ الوضع الراهن لا يخدم مصالح الولايات المتحدة بشكل كافٍ أكثر من خدمته للقوى الأخرى المُنافسة ولا بد من تعديله لا سيما في جوانبه الاقتصادية حيث ثمة تصور أن الدول الأجنبية تُثرى وتغتني على حساب الولايات المتحدة. وتستند هذه النظرة التنقيحية إلى مصادر محلية ودولية متداخلة، وتتلخص فكرتها في أن الإدارات الأمريكية السابقة، بل والبنية الكاملة للإقتصاد السياسي الدولي التي دعمتها، قد سهّلت صعود منافس إستراتيجي على حساب العمال الأمريكيين ومستقبل البلاد ككل. ويتمثل الدليل القوي على هذه التنقيحية في أن الوضع الراهن، الذي يعود إلى عقود مضت، يُضعف مصدر القوة الأمريكية، الصناعة المحلية والطبقة الوسطى، وأن أولئك الذين يرغبون في الحفاظ عليه، وهم الليبراليين، يُساهمون فعلياً في التراجع الوطني النسبي. هذا ما كتبه نائب الرئيس (جي دي فانس JD Vance) على منصة (X): " إن هذه الليبرالية الميتة العقل التي تتظاهر بالمُحافظة هي التي جعلت الولايات المتحدة تتحول من قوة تصنيعية عظمى في العالم إلى قوة تُحقق فيها جمهورية الصين الشعبية ما يقرب من ضعف ما نحققه نحن ...".

   في الواقع يبدو أنّ المنظور الاقتصادي غير العادل للنظام الدولي هو الذي يطغى على مُدركات الرئيس ويُعزز لديه النوايا التنقيحية فيما يتعلق بإعادة صياغة العلاقة التجارية مع المُنافسين وقلب المعايير السائدة. سبق أن قدّم رئيس مجلس المستشارين الإقتصاديين إحاطة في البيت الأبيض مطلع نيسان 2025، بعد ثلاث أشهر من تولي دونالد ترامب الرئاسة، جادل فيها بأن وظيفة الدولار الأمريكي كعملة إحتياطية، التي طالما نُظر إليها كركيزة أساسية للهيمنة الأمريكية تُشكّل في الحقيقة تكلفة صافية على البلاد وهو ما يدعم وجهة النظر التي تؤمن أنّ تقنين وضع "الدولة الأكثر تفضيلاً Most Favored Nation" للصين في عام 2000 كان خطأً فادحاً تفاقم بسبب إخفاقات أوسع في التكيف إستراتيجياً مع النمو الصيني الملحوظ خلال ربع القرن الماضي.

   الجانب الذاتي المُعزز لهذه النزعة التنقيحية واضح لأن الرئيس ترامب لا يستخدم القوة في الخارج بل في الداخل أيضاً فهو يُعيد تحديد توازنات القوة بين السلطات المختلفة وإستخدام ما بيديه لتأسيس سلطة شخصية ورغبة في زيادة المصالح التجارية ما يُوحي أنّ التنقيحية لا يبدو أنّها تنبع من نظرية سياسية أصيلة بقدر ما أنها تستلهم سلوكياتها من موجة شعبوية مرتبطة بشغف القوة بحيث باتت البيئة الدولية إنعكاس حقيقي للطريقة التي يتم بها توظيف القوة في الداخل أيضاً. فخلال أول 365 يوماً له بعد عودته إلى منصبه، لم يكتفِ الرئيس ترامب بخرق الأعراف وتجاهل القوانين التي تهدف إلى ضمان توازن القوى في الحكومة، بل قوّض إستقلالية مجلس الإحتياطي الفيدرالي ووزارة العدل، وخفّض تمويل الجامعات، وقلّص عدد موظفي الحكومة الفيدرالية. فتح ما يقارب مليون ميل مربع من قاع المحيط للتنقيب، وحاول إيقاف مشاريع طاقة الرياح الجديدة. كما أرسل الحرس الوطني إلى بعض المدن الأمريكية لفرض النظام على المواطنين، وأرسل إدارة الهجرة والجمارك ودوريات الحدود إلى مدن أخرى لإعتقال المهاجرين.

    إستخدم الرئيس ترامب السلطة التنفيذية بطرق لم يتم إستخدامها من قبل. فهو يستخدم الحكومة كسلاح عندما يدعو إلى إجراء تحقيقات جنائية مع أعدائه، مثل نزاعه مع رئيس الإحتياطي الفدرالي جيروم باول Jerome Powell، ويصر على فرض سيطرة تنفيذية أكبر على وزارة العدل. وفي بعض الأحيان يدعو إلى الإستحواذ على سلطات كانت تقليدياً في يد الكونجرس، مثل الفصل الجماعي لموظفي الخدمة المدنية، أو فصل أعضاء الوكالات التي من المفترض أن تكون مستقلة عن السلطة التنفيذية. وفي أحيان أخرى، يستعين بالجيش دون إستشارة المُشرعين في تنفيذ سياسة الهجرة، مستخدماً قانوناً مُخصصاً لزمن الحرب لترحيل الأشخاص دون إتباع الإجراءات القانونية الواجبة. لقد تحرك لإنهاء حق المواطنة بالولادة، على الرغم من أنها مضمونة بموجب التعديل الرابع عشر للدستور.

  عندما حلّلت صحيفة New York Times إستخدام الرئيس ترامب للكلمات ومقارنتها بتلك التي إستخدمها في عام 2017، وهو العام الأول من ولايته الأولى، خلصت إلى أنّ إهتمامه بالشؤون الدولية بات أكثر من ذي قبل. في عامه الأول من رئاسته الأولى، ذكر ترامب الدول الأجنبية 2881 مرة. أما في عامه الأول من ولايته الثانية، التي إنغمست في حروب تجارية وحروب دولية، فقد ذكرها 8410 مرات. وكانت الصين أكثر الكلمات تكراراً مقارنة بغيرها من أسماء الدول، فضلاً عن أنّ كلمة التضخم كانت الأكثر تداولاً، وإنّ تكرار ذكره للدول الأجنبية بجوار إستخدامه المُكثف لكلمة التضخم هو للتدليل على أن الإقتصاديات الأجنبية مسؤولة عن تدهو قوة الإقتصاد الأميركي ما يُدلل على أنّ نزعته التنقيحية تعكس الإهتمام الشديد بتعديل المعاملات التجارية مع دول العالم وفق مسار يُحقق منفعة أكبر للولايات المتحدة، وهو ما يؤكد رأينا أنّ التنقيحية لا تبدو مدفوعة برؤية مؤسساتية، خصوصاً وأنه عبر عن إزدرائه الشديد لنخبة صنع السياسة الخارجية التي قلص أدوراها ووصفها بأنها لا تخدم سوى حفنة من الليبراليين وأن الإجماع الدولي الذي تقوده النُخب يضر بمصالح الولايات المتحدة بحيث عمد إلى إستبدال الأعراف الدبلوماسية الراسخة بنهج شخصي قائم على المصالح، مفضلًا المفاوضات المباشرة والتي غالباً ما تكون غير متوقعة وذات طابع مُعاملاتي Transactional، بحيث بات نهجه يُعطي الأولوية للمكاسب الملموسة والفورية، كالصفقات الاقتصادية أو التنازلات الأمنية، على حساب التحالفات طويلة الأمد أو القيم المشتركة أو الأيديولوجيا، ما يؤكد أنّ سلوكياته التنقيحية هي نتاج مفهومه الخاص للقوة والربح والخسارة.
  خصوصية الرئيس ترامب أنّه يعمل على إبداء إهتمام أكبر بتعديل قواعد التجارة الدولية وإعادة تعريف لموقف بلاده من موضوعة القيم السياسية التي كان يُدافع عنها النظام الليبرالي. مع ذلك ما زال يحاول التمسك ببعض إصول المعاملات الجيوسياسية ما يكشف أنّه يقف في منطقة وسطى ما بين النظام القديم والنظام الجديد، فهو على غرار الرئيس الأسبق ريتشارد نيكسون Richard Nixon، يسعى إلى تحقيق إنفراجة في العلاقات مع خصومه الرئيسيين. فمع روسيا، إنتهجت إدارته دبلوماسية تهدف إلى إنهاء الحرب في أوكرانيا، إلى جانب خطوات متزامنة، بما في ذلك دبلوماسية أسعار النفط وسد ثغرات عقوبات الطاقة للضغط على روسيا للإنسحاب من الصراع. أما مع الصين، فقد إستخدمت إدراته مزيجاً من الضغط والدبلوماسية المستمرة في محاولة لإعادة التوازن إلى العلاقات التجارية لصالح الولايات المتحدة دون التسبب في تدهور مفاجئ قد يؤدي إلى صدمات اقتصادية كبيرة أو مواجهة عسكرية. ورغم أن بنود هيكل تجاري جديد مع الصين لا تزال قيد التفاوض، فإن عملية السعي إلى إبرام مثل هذا الهيكل تتفق مع منطق التوطيد القائم على التعايش مع خصم رئيسي لكسب الوقت وتهيئة الظروف المناسبة، بما في ذلك توسيع إنتاج أشباه الموصلات، وإعادة توطين سلاسل التوريد، وتعزيز القدرة على استخراج المعادن الحيوية، من أجل وضع أقوى للولايات المتحدة في المستقبل. لا تعتبر هذه التصرفات تحول عميق في الإطار المؤسساتي بقدر ما يعكس عقلية تجارية قائمة على الربح والخسارة والبحث عن هيمنة غير ليبرالية على حد قول باري بوسان Barry R. Posen.

bottom of page