
القومية التكنلوجية الصينية وحسابات الأمن والقوة

باتت القومية التكنولوجية مصطلحاً شائعاً في سياق المنافسة بين القوى العُظمى كونه يُشير إلى الإستحواذ على التقنيات فائقة التقدم مثل الذكاء الإصطناعي وأشباه الموصلات وغيرها، ودمج هذه المُصنّفات الإبتكارية ضمن سياسات الأمن القومي
مع أن التصورات التي وضعها مايكل بيكلي Michael Beckley وزميله هال براندز Hal Brands في كتابهما المشترك (منطقة الخطر: الصراع القادم مع الصين) والذي صدر عام 2022، قد لا تحظى بموافقة الجميع لما فيها من تحيزات أو توقعات لا تبدو مُرجحة خصوصاً ما يتعلق بميل الصين إلى تبني سلوكيات عدوانية تجاه تايوان بسبب تعثرها في النمو وإعتقادها أنّ فرصة الهجوم الآن أفضل من أي وقت آخر مع عدم إستعداد جيرانها عسكرياً، إلا أنني أتفق معه فيما يتعلق بتفسيره لمعنى القوة في وقتنا الحاضر. في حوار له مع مؤسسة (American Enterprise Institute)، جرى قبل إصدار الكتاب أعلاه، إستنكر مايكل بيكلي ميل بعض العلماء في العلاقات الدولية إلى قياس قوة الدولة بمؤشرات جامدة مثل الناتج المحلي الإجمالي والإنفاق العسكري وحجم التجارة الخارجية والإنفاق على البحث والتطوير وغيرها. صحيح أنّ هذه المؤشرات مهمة في بيان قوة الدولة إلا أنّها تبدو تبسيطية ولا يعني إمتلاكها أنّ الدولة قادرة على توظيفها بذكاء ونجاح وكفاءة.
إن أهم عناصر القوة في الوقت الحاضر تتمثل في قدرة الدولة على إدارة ما تملكه من مصادر مُعززة للقوة بنجاح من حيث توظيفها في المكان والزمان المناسبين وبما يخدم أغراضها الوطنية. ومثلما أنّ القدرة على إدارة مصادر القوة باتت تتطلب مهارة نوعية كذلك إنسحب هذا الواقع على الإمكانات نفسها التي ما عادت تُقاس بالكم بل بالنوع، وهذا الأمر أدركته الصين منذ عقود سابقة بحيث أخذت تعمل على إمتلاك تفوق نسبي في بعض مصادر القوة النوعية رغم أنّ هذا لم يمنع إستمرار تركيزها على القوة التي تُقاس بالحجم والكم. لقد سبق للصين أن مرت بتجربة قاسية إستلهمت منها بعض العبر فيما يتعلق بالتعامل مع القوة الكمية. علينا أن نتذكر أنّ الصين في القرن التاسع عشر، قبل حرب الأفيون Opium War، كانت تملك أضخم إقتصاد وأكبر جيش في العالم لكنها تمزقت على يد البريطانيين الذين كان إقتصادهم نصف حجم إقتصاد الصين وجيشهم أصغر بكثير. في أوائل أربعينيات القرن التاسع عشر (1839-1842)، أرسلت بريطانيا قوة استكشافية قوامها 10 ألف جندي فقط لغزو الصين، ونجحت في إجبار حكومة سلالة تشينغ Qing، التي كانت تمتلك جيشاً قوامه 800 ألف جندي، على دفع تعويضات والتنازل عن جزيرة هونغ كونغ لها، والتي لم تسترجعها الصين من بريطانيا إلا في العام 1997. لقد تفوق البريطانيون في الحرب لأنّهم إمتلكوا تكنولوجيا أفضل وكانوا أكثر كفاءة وإبتكاراً بكثير في إدارة ما يملكونه. صحيح أنّ التجارب التأريخية تُثبت أنّ القوة ما عادت تُقاس بالكم بل بالنوع، لكن حتى هذا النوع تغير بمرور الزمن وبدأ يكتسب سمات جديدة.
أدركت الصين، ومنذ بداية نشأة الجمهورية الشعبية، أهمية تحقيق إستقلال تكنولوجي، بمعنى أن تُنتج التقنيات التي تحتاجها بجهودها الذاتية وطُرقها الخاصة لإكتساب قوة نوعية تسمح لها بالتحرر من الضغوط التي يفرضها واقع أن يمتلك طرف خارجي هذه التكنولوجيا ويُخضعها لشروطه السياسية. وغني عن القول إنّ إمتلاك هذه التكنولوجيا لا يتوقف عند مجرد تلبية إحتياج محلي بقدر ما يُمكّن الدولة لاحقاً من توظيفها بطريقة نوعية ضد الآخر لزيادة قوة التأثير. ومن المؤكد أنّ حديث الرئيس الصيني شي جينبغ Xi Jinping المستمر عن (قرن العار-Century of Humiliation) الذي لحق بالصين في القرن التاسع عشر هو ما يحفزها على الإبتكار العلمي لتحقيق الريادة في صناعات مُتقدمة ودقيقة في إطار ما بات يُطلق عليه بـ(القومية التكنولوجية) وإعتبارها مسألة أمن قومي تهدف للتحرر من الضغوط وبناء قوة مُضافة، ما يُبين كيف أنّ الحمولة التأريخية المُثقلة بالذكريات المُرة قادرة على أن تُفسر لنا لماذا النهج الصيني يُبدي تركيزاً شديداً على البعد الأمني في هذه السياسة.
لم يكن الرئيس شي جينبغ أول من تحدث بمرارة عن الإهانات التي لحقت بالصين، بل كان هذا النهج إمتداداً لأفكار مؤسس الصين الشعبية ورئيس الحزب الشيوعي ماو تسي تونغ Mao Zedong الذي قال عبارته الشهيرة في خطاب إعلان تأسيس جمهورية الصين في أيلول من عام 1949: "لن تكون أمتنا بعد الآن عرضة للإهانة والإذلال". لم تكن هذه مُجرد كلمات عابرة أمام جمهور ثوري مُتحمس بل تحولت إلى سردّية تأريخية تم تضمينها قومياً وحضارياً في أدبيات وبرامج الحزب ونهج عمله في الداخل والخارج وهو ما أسّس لمسار سياسي، لم يحد عنه أي من الزعماء والرؤساء بعد ماوتسي تونغ، يدعو إلى تحقيق نهضة صينية بشكل حتمي لا تخضع للإبتزاز. ومنذ السنوات الأولى لتأسيس الجمهورية عام 1949، أدركت الصين أنّ الدول الغربية، وحتى الإتحاد السوفيتي الذي كان حليفاً أيديولوجياً، لن يُساعدوها في إمتلاك تقنية تحتاجها بل على العكس بذلوا جهوداً حثيثة على مدار سنوات للحد من وصولها إلى مختلف التقنيات الحيوية أو إيقاف تطورها فيها. فخلال أواخر الخمسينيات وأوائل الستينيات من القرن الماضي، كان قرار الإتحاد السوفييتي بحجب مساعدات التكنولوجيا النووية عن الصين وسحب الخبراء السوفيت في نهاية المطاف بمثابة لحظة محورية في الإنقسام الصيني السوفييتي. وأدى الإمتناع السوفيتي عن مساعدة الصين إلى التسبب بتوتر شديد في العلاقات وصلت إلى حد القطيعة والصراع. مع ذلك، تمكنت الصين من تحقيق مشروعها الخاص بجهودها الذاتية ما أدى إلى تحويلها من شريك صغير على الهامش إلى قوة نووية مستقلة، وفي بعض الأحيان عدائية بعد أن نجحت في إختبار قنبلتها الذرية الأولى في عام 1964. وكان الإستقلال التكنولوجي الذي حققته الصين في هذا المجال قد أدى إلى تحريرها من النفوذ النووي الروسي في ذلك اليوم.
صعود الصين العظيم
إن كانت أولى محاولات العرقلة قد بدأت بمنع وصول الصين إلى تكنولوجيا الأسلحة النووية، إلا أنّ هذا لا يعني أنّها توقفت عند هذا الحد بل إمتدت في العقود التالية لتشمل مجالات أخرى مثل تقنيات الفضاء، والإتصالات عبر الأقمار الصناعية وصولاً إلى نظام تحديد المواقع العالمي (GPS)، وأشباه الموصلات، وآخرها الحواسيب العملاقة، والذكاء الاصطناعي. نذكر أيضاً أنّ الولايات المتحدة سعت بإصرار إلى كبح جماح هيمنة الصين على سوق الجيل الخامس (5G)، والطائرات المسيّرة التجارية، والمركبات الكهربائية. لكن وعلى مر التاريخ، باءت محاولات الإنفاذ الأحادية أو خارج الحدود الإقليمية للحد من صعود الصين التكنولوجي بالفشل.
في عام 1993، حاولت إدارة الرئيس الأميركي بيل كلينتون تقييد وصول الصين إلى تكنولوجيا الأقمار الصناعية. لكن ما نعرفه اليوم، أنّ الصين باتت تمتلك نحو 540 قمراً صناعياً في الفضاء، وهي بصدد إطلاق مشروع منافس لخدمة Starlink. وينطبق المبدأ نفسه على نظام تحديد المواقع العالمي (GPS). فعندما قيّدت الولايات المتحدة وصول الصين إلى نظام بياناتها الجغرافية المكانية عام 1999، قامت الصين ببساطة ببناء نظامها الخاص، نظام بيدو BeiDou العالمي للملاحة عبر الأقمار الصناعية (GNSS)، في إحدى أكبر الموجات الأولى للإنفصال التكنولوجي عن الغرب. وفي بعض الجوانب، يُعدّ BeiDou اليوم أفضل من نظام GPS. فهو أكبر نظام GNSS في العالم، إذ يضم 45 قمراً صناعياً مقابل 31 قمراً لنظام GPS، وبالتالي فهو قادر على توفير إشارات أكثر في معظم عواصم العالم. كما أنه مدعوم بـ(120) محطة أرضية، مما يُؤدي إلى دقة أكبر، ويتمتع بميزات إشارة أكثر تطوراً، مثل المراسلة ثنائية الاتجاه.
أدركت الصين، ومنذ سنوات طويلة، أهمية تحقيق إستقلال تكنولوجي بمعنى أن تُنتج التقنيات التي تحتاجها بجهودها الذاتية وطُرقها الخاصة لإكتساب قوة تسمح لها بالتحرر من الضغوط
بات تركيز الصين على القومية التكنولوجية Techno-Nationalism جزء من عقيدتها الأمنية أو ربما، بدون مبالغة، هي الحجر الأساس لهذه العقيدة التي تُشير إلى نهج سياسي يربط البراعة التكنولوجية للدولة بشكل مباشر بإزدهارها الإقتصادي وأمنها القومي وإستقرارها الاجتماعي. إنها تنطوي على تدخل حكومي مقصود لتعزيز صُناع التكنولوجيا المحليين، وتأمين سلاسل التوريد، والتحكم في التقنيات الإستراتيجية مثل الذكاء الاصطناعي وأشباه الموصلات، مع إعطاء الأولوية لتحقيق الأمن على منافسة السوق الحرة. لا شك أنّ إصرار الصين على تطبيق هذا النهج في سياستها لن يخلوا من بعض الكُلف مثلما أنّه ألحق ضرراً بالعلاقات وشراكاتها الجيوسياسية مع الدول الأخرى كما هو الحال في الحرب التجارية مع الولايات المتحدة حول رقائق الذكاء الإصطناعي. مع ذلك، تنظر القومية التقنية إلى أهمية الصراع الجيوسياسي وإعتبارات الأمن القومي باعتبارها ذات أهمية قصوى وتعتقد أن صنع السياسات حول التكنولوجيا يجب أن يكون مدفوعاً بهذه الاعتبارات، بدلاً من موازنتها مع الاعتبارات المحلية. بمعنى آخر، إن إعتبارات الأمن القومي والسياسة الخارجية في المنافسة تتفوق على أي إعتبارات أو مصالح داخلية. ومن وجهة نظر اقتصادية، ترى أن المخاوف بشأن ضمان وجود أسواق تنافسية في التكنولوجيا الناشئة والتجارة الحرة العالمية تأتي في مرتبة متأخرة في تنفيذ السياسات التي تخدم مصالح الأمن القومي.
من الواضح أن الزعيم الصيني "شي جين بنغ" يُولي أهمية إستثنائية لموضوعة التفوق الصيني في تكنولوجيات رائدة وكيف يُمكن أن يخدم غرضها القومي. فمنذ عام 2016، أشارت الخطة الخمسية الثالثة عشرة للصين وغيرها من الوثائق السياسية إلى تركيز القيادة المتجدد على الهدف طويل الأمد المتمثل في تعزيز الإبتكار المحلي بإعتباره مسألة أمن قومي خصوصاً مع التحذيرات المتكررة التي كان الزعيم الصيني يُطلقها بشأن نقاط ضعف الصين التكنولوجية، وكيف يُمكن أن تتحول إلى فجوات تؤثر في سيادة الصين وإستقلالها الإستراتيجي. من وجهة نظره أنّ "التقنيات الرئيسة والأساسية للصين تخضع لسيطرة جهات خارجية"، وحدد أشباه الموصلات المتقدمة، والبرمجيات الصناعية، ومعدات التصنيع الدقيقة، مثل آلات الطباعة الحجرية، باعتبارها نقاط إختناق إستراتيجية تُعيق نمو الصين للتحول إلى قوة عالمية. لهذا تحركت بكين بقوة للتخفيف من نقاط ضعفها من خلال تبني إستراتيجية أطلق عليها "سياسة صناعية شاملة لكل شيء - Industrial Policy of Everything"، مصممة لتحقيق الإعتماد على الذات تكنولوجياً، والحد من نقاط الضعف، وتأمين الهيمنة الجيوسياسية. وشملت تدابير هذه الإستراتيجية تقديم الدعم الحكومي ودعم السياسات الصناعية الموجهة للقطاعات الإستراتيجية، كما وسعت نطاق الحوافز المقدمة للجامعات والشركات للإستثمار في البحث والتطوير. وأنشأت الصين أيضاً صناديق مدعومة من الدولة لتمويل طموحاتها التكنولوجية، وسعت، حيثما أمكن، إلى تنويع سلاسل التوريد وتقليل الاعتماد على الواردات الخارجية.
لا يحتاج الأمر الكثير من التفكير حتى نفهم أنّ الغاية من سياسة التصنيع لكل شيء هو بهدف بقاء الصين مستعدة لأسوأ السيناريوهات. تعتقد الصين أنّ أي مواجهة مستقبلية مع الولايات المتحدة تتطلب منها عدم الإتكال على موردين خارجيين. تُكثّف بكين استعداداتها للحرب. لا يعني هذا أنها تُخطط لإشعال فتيل نزاع، أو أنها تتوقع الدخول فيه قريبًا. مع ذلك، ومع استمرار التقييمات الرسمية للبيئة الدولية في التدهور، فإن الجهود المبذولة لتعزيز "التفكير الاستراتيجي" و"التفكير في أسوأ السيناريوهات" - أي الاستعداد لأسوأ الاحتمالات - تُؤدي إلى زيادة التركيز على بناء وتوسيع المخزونات الاستراتيجية من الطاقة والغذاء والمعادن الحيوية وغيرها من المواد.
في مقال نُشر في صحيفة الشعب اليومية بتاريخ 20 أبريل، دعا سكرتير مجموعة قيادة الحزب ورئيس لجنة التنمية والإصلاح الوطنية (NDRC)، تشنغ شانجي Zheng Shanjie، إلى "تعزيز الأمن الاقتصادي والمرونة والقدرة على الصمود في وجه الصراع". وركز المقال، الذي حثّ القراء أيضاً على "خوض معركة شاملة وإستباقية لحماية الأمن الاقتصادي الوطني"، بشكل خاص على تحسين إحتياطيات الغذاء والطاقة، مستشهداً بتدابير ومبادرات واستراتيجيات متنوعة. وقد نُشر المقال في اليوم نفسه الذي ترأس فيه رئيس الوزراء لي تشيانغ Li Qiang جلسة دراسية خاصة لمجلس الدولة حول أمن الطاقة. وفي التغطية الرسمية للاجتماع، كانت أولى توصيات لي الجوهرية هي "التنفيذ الكامل للإستراتيجية الجديدة لأمن الطاقة".
بالتأكيد لا يعني هذا أن الصين تُركز على تخزين كل شيء إستعداداً للحرب بقدر ما تُريد توطين صناعة ما تحتاجه دون ان تضطر الى إستيراد خصوصاً في أوقات الحرب وهو ما يُعزز إهتمامها وتركيزها على جعل الصناعات الحيوية الرائدة ذات مدلول أمني ليس بهدف إبقاء الآخرين معتمدين عليها ويُمكن إستخدامها كأداة ضغط بل أن التفوق فيها معناه الحفاظ على الأسبقية والصدارة في عملية التنافس.
لا يعني هذا مُطلقاً أنّ الصين وحدها من يتبنى هذا النهج القومي في رؤيته للتكنولوجيا وصلتها الوثيقة بالأمن، بل هناك دول أخرى تُطبق هذه السياسة مثل الولايات المتحدة والهند ودول الإتحاد الأوروبي. كان قرار الولايات المتحدة بتشريع قانون الرقائق Chips Act في آب 2022، تأكيداً على أنّ الحكومة الفيدرالية التي قررت إنفاق حوالي 53 مليار دولار على مدى خمس سنوات لزيادة قدرة تصنيع الرقائق محلياً إنما تهدف من وراء ذلك إلى تقليل إعتماد الولايات المتحدة على مُصنّعي أشباه الموصلات التايوانيين، مثل شركة TSMC، أكبر وأكثر شركات تصنيع أشباه الموصلات تطوراً في العالم بسبب من خشية المتشددون الأمنيون في واشنطن من أن تتعرض الإمدادات من تايوان للخطر إذا قررت الصين غزو الجزيرة، التي تعتبرها جزءاً من أراضيها. يكشف هذا النهج عن أحد أكبر مخاوف القومية التكنولوجية وهو التعرض إلى التهديد الخارجي وفقدان الإستقلالية وضياع السيطرة على سلاسل الإنتاج والتوريد. ولا تتوقف إهتمامات القومية التكنولوجية عند هذا الحد، بل تضع في أجندتها جعل الآخرين مُرتبطين ومُعتمدين عليها تقنياً، وهو الإسلوب الذي قررت الولايات المتحدة إتباعه للبقاء في الصدارة وإضعاف منافسيها. فعندما فرضت إدارة الرئيس جو بايدن في العام 2022 ضوابط تصدير صارمة تحظر بيع تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي المتطورة، بما في ذلك الرقائق ومعدات تصنيعها، إلى خصوم مثل الصين وروسيا، ومنعت الأمريكيين من مشاركة خبراتهم في مجال الذكاء الاصطناعي مع تلك الدول، إنمّا أرادت بذلك تقييد وصولها إلى الصين وفق شروطها الخاصة وعرقلة النمو التكنولوجي لمنافسيها.
كذلك أخذت الولايات المتحدة بتوظيف التكنولوجيا الدقيقة التي تملكها لإرغام الجهات المترددة جيوسياسياً على الإنصياع لأوامرها. ففي شهر تشرين الأول 2023، بدأت الحكومة الأمريكية إلزام الشركات في دول ثالثة، بالحصول على ترخيص لشراء رقائق الذكاء الاصطناعي من شركة Nvidia الأمريكية، التي تُعدّ المورد الرئيسي لهذه الرقائق. وتنص هذه القواعد على "افتراض الموافقة Presumption of Approval"، ما يعني أن الحكومة "ستسمح على الأرجح" بالبيع لهذه الشركات شريطة ألا تربطها علاقات وثيقة بالصين في إشارة إلى ضرورة قطع هذه الشركات لعلاقتها مع موردي الأجهزة الصينيين، مثل شركة Huawei الصينية للإلكترونيات.
وبالنسبة لإدارة الرئيس ترامب، في دورتها الثانية، كانت المنافسة التكنولوجية مع الصين لا تزال أولوية قصوى، حتى أنّ سياسة (أمريكا أولاً) الإستثمارية America First Investment Policy التي وضعها ترامب وجهت الوكالات الإتحادية إلى النظر في فرض قيود جديدة على الإستثمار الخارجي في الصين في قطاعات مثل أشباه الموصلات والذكاء الإصطناعي والحوسبة الكمومية وعلم الأحياء التركيبي Synthetic Biology. وانطلاقاً من قلقها إزاء نجاح إنموذج الذكاء الإصطناعي من شركة DeepSeek الصينية، شدّدت الإدارة الأمريكية الرقابة على مبيعات رقائق Nvidia إلى الصين دون ترخيص مُسبق.
منذ عام 2025، بدأ قادة الأعمال والسياسة الأجانب يشعرون بالقلق، ليس من خطورة وصول التكنولوجيا الغربية إلى أيدي الصينيين، بل يخشون أن الصين باتت بارعة في منع وصول أفضل تقنياتها إلى الأجانب
النهج الصيني في توظيف القومية التكنولوجية
بالتأكيد لم تكن الصين بعيدة عن إدراك الأهمية الإستراتيجية لتحقيق الريادة في التكنولوجيا المتقدمة التي تُحقق لها غرضين: الأول إبقاءها بعيدة عن التعرض للإبتزاز السياسي أو التعطيل المُتعمد للنمو، والثاني إستخدامها كوسيلة للسيطرة، في مُحاكاة للإنموذج الأميركي حيث تمنحها التكنولوجيا الخاصة بها فرصة ذهبية لإستخدامها للتأثير وتحقيق النفوذ. فقوة الصين لا تتعلق فقط بالإكتفاء بالتكنولوجيا التي تبتكرها بنفسها حتى تتخلص من ضغوط الخارج بل زادت عليها أنها تملك طموحاً في جعلها عالمية ودفع الآخرين للإعتماد عليها في التقنيات التي تملك فيها تفوقاً نسبياً على مُنافسيها مثلما هو الحال مع تقنيات الطاقة المُتجددة التي أصبحت واحدة من التقنيات التي حققت فيها الصين ريادة عالمية. ففي هذا القطاع، باتت الصين تُهيمن على إنتاج معدات الطاقة الشمسية، حيث تُشكل ما يقرب من 75% من الوحدات Modules، و85% من الخلايا، و97% من إنتاج رقائق السيليكون، وفقاً لبيانات وكالة الطاقة الدولية. وينطبق الأمر نفسه على البطاريات، حيث تُنتج الصين 70% من جميع بطاريات السيارات الكهربائية المُنتجة على الإطلاق في العالم، حتى أنّ الحكومة الإقليمية لولاية نافارا Navarra في إسبانيا أمضت أكثر من عامين في جهد محموم لإقناع شركة هيثيوم Hithium، إحدى أكبر شركات تصنيع البطاريات في الصين، بأنها المكان المناسب لبناء مصنعها لبطاريات تخزين الطاقة بقيمة 400 مليون يورو، حتى تُصبح نافارا واحدة من أوائل الشركات التي تنتج خلايا البطاريات في الإتحاد الأوروبي.
إن ريادة الصين في هذه التكنولوجيا يكشف بوضوح عن هدف الرئيس (شي جينبنغ) المتمثل في تعزيز إعتماد العالم الخارجي على الصناعات التحويلية المتقدمة في الصين، والتي تعتبرها بكين مصدراً للنفوذ في عصر الصدمات الجيوسياسية. وقد حققت هذه الإستراتيجية نجاحاً واضحاً في قلب العالم الغربي حيث لم تتمكن أي شركة غربية من مضاهاة البراعة التقنية التي طورتها الصين خلال ما يزيد قليلاً عن عقدين من الزمن في صناعات دقيقة ما جعل من التصنيع عالي التقنية ركيزة أساسية لاستراتيجية بكين الصناعية. لهذه الأسباب، وافقت الصين على إنشاء موجة من المصانع المملوكة لمواطنيها في أوروبا بهدف تنويع سلاسل التوريد وتجنب التعريفات الجمركية للإتحاد الأوروبي وغيرها من الحواجز السوقية. وهذه المصانع الصينية تخضع في نهاية المطاف لبكين وتجعل أوروبا أكثر إعتماداً عليها دون إجراء نقل كامل للتكنولوجيا والمعرفة العلمية.
نفس الأمر ينطبق على شركة CATL الصينية، أكبر شركة مُصنعة لبطاريات السيارات الكهربائية في العالم، والتي تمتلك 11 قاعدة تصنيع محلية رئيسية في الصين، حيث توسعت بسرعة في الخارج من خلال مشاريع بناء مصانع لإنتاج بطاريات السيارات الكهربائية في ألمانيا والمجر وإسبانيا وإندونيسيا، ورغم أن الشركة الصينية تُصرح بإستعدادها لتدريب العمال المحليين ومساعدة مصنعي البطاريات الأوروبيين، إلا أن النقابات العمالية الأوروبية تُشكك في رغبتها بالسماح بنقل التكنولوجيا بشكل حقيقي وهو ما يُثير مخاوف لدى الأوروبيين بشأن تردد بكين في السماح لشركاتها بمشاركة ملكيتها الفكرية ويُعزز الإعتقاد أنّ إحتمالية سماح المسؤولين الصينيين بتصدير أي شيء ذي قيمة حقيقية ضئيلة، لا سيما وأنّ الصين، على مدى السنوات الخمس الماضية، أنشأت نظاماً للرقابة الصارمة على الصادرات ذات التقنية العالية، في مُحاكاة للنظام الأمريكي. والهدف المعلن هو حماية الأمن القومي، حتى أنّ وزارة التجارة الصينية أعلنت أنها ستُلزم الشركات بالحصول على تراخيص قبل تصدير التقنيات المستخدمة في بطاريات السيارات الكهربائية.
يكشف هذا الواقع عن إنقلاب في آلية نقل التكنولوجيا. فسابقاً، إعتادت المُجتمعات الغربية على التذمر من كثرة نقل التكنولوجيا إلى الصين من خلال إفتتاح فروع ومصانع للشركات الغربية، ما أثّر سلباً على العمالة المحلية. لكن ومنذ عام 2025، بدأ قادة الأعمال والسياسة الأجانب يشعرون بالقلق، ليس من خطورة وصول التكنولوجيا الغربية إلى أيدي الصينيين، بل يخشون أن الصين باتت بارعة في منع وصول أفضل تقنياتها إلى الأجانب.
إنفتاح صيني اكبر في نشر الذكاء الإصطناعي
تتبع الصين نهجاً حذراً في إطار القومية التكنولوجية، فهي تضع القيود كوسيلة لمنع وصول التكنولوجيا التي تُطورها إلى أيدي مُنافسيها لكنها في نفس الوقت لا تتردد في نشر بعض الإبتكارات في حال كان هذا يُساعد في زيادة رصيدها السياسي من القوة الناعمة. تُسلط قصة شركة Manus AI، وهي شركة ناشئة في مجال الذكاء الإصطناعي، الضوء على إجراءات الصين الصارمة في تقييد وصول التكنولوجيا إلى خارج البلاد مثلما تكشف عن مخاوف القادة الصينيين فيما يتعلق بآليات حماية القومية التكنولوجية. لقد نقلت شركة Manus، التي تأسست أصلاً في الصين، تسجيل أعمالها إلى سنغافورة في العام 2025، رغبة من المؤسسين في توسيع إنتشارها العالمي وإجتذاب رأس مال إستثماري والخلاص من القيود التنظيمية في الصين، وهو ما سهّل لاحقاً عملية بيعها لشركة Meta، الشركة الأم لفيسبوك. لكن المنظمون الصينيون عملوا جهد الإمكان على إلغاء تلك الصفقة، حتى أنهم منعوا مؤسسي Manus من مغادرة البلاد، ما كشف عن طبيعة المنافسة الشرسة للصين مع الولايات المتحدة في مجال الذكاء الاصطناعي من خلال محاولة منع الشركات الناشئة الصاعدة في مجال الذكاء الاصطناعي من مغادرة البلاد بحثاً عن رأس المال والأسواق في الغرب.
ومع أن الصين لا تزال متأخرة عن الولايات المتحدة في تطوير نماذج الذكاء الإصطناعي وهو ما يُقاس بأعداد النماذج البارزة التي أصدرتها الشركات المتنافسة، إلا أنّ نهج الصين إختلف عن منافسها الأميركي فيما يتعلق بتخصيصها وإشاعتها للإنتفاع وبقيود محدودة. إذ خلافاً للشركات الأميركية التي طوّرت نماذج اللغات الكبيرة (LLMs) للذكاء الإصطناعي وجعلتها مُغلقة المصدر، مثل إنموذج (Chat GPT) الذي أطلقته شركة Open AI في تشرين الثاني 2022، عملت الصين على تطوير نماذج مفتوحة المصدر تسمح للمُطورين والمُبرمجين بإستخدام هذه النماذج وتخصيصها بما يخدم قطاعات مُختلفة. في مطلع عام 2025، أصدرت شركة DeepSeek إنموذج الذكاء الإصطناعي الخاص بها بإسم R-1 الذي إمتاز بتقنية مفتوحة قابلة للتخصيص، بعدها أصدرت شركة Moonshot AI إنموذجاً تطوراً مفتوح المصدر بإسم Kimi K2 ما عزّز التوقعات بأن الصين تسعى إلى تقليص ريادة الولايات المتحدة في مجال الذكاء الإصطناعي من خلال تقليص أعداد المستخدمين للنماذج الاميركية. إذ تُتيح النماذج المفتوحة مثل R-1 وKimi K2 للمستخدمين حول العالم فرصة تطوير أنظمة ذكاء إصطناعي قابلة للتخصيص لتلبية الإحتياجات المحلية في مجالات متعددة مثل الرعاية الصحية والتعليم وتنظيم القوى العاملة بتكلفة أقل من نظيرتها الأميركية، وبهذا تكتسب النماذج الصينية المفتوحة سُمعة طيبة على الصعيد الدولي وتضع الصين في موقع المُستفيد الأول من الذكاء الإصطناعي في دول عالم الجنوب الذي تتوق لقيادته ما يدل على أنّ جُهد الصين في عدم أمنّنة نشر الذكاء الإصطناعي إنما يهدف إلى زيادة رصيدها من القوة الناعمة.
أصبحت الصين وفقاً لهذا النهج وكأنها تقوم بتصدير ثروة مجانية للكثير من دول العالم النامي من خلال منحهم القدرة على الوصول إلى نماذج اللغات الكبيرة والإفادة منها في بناء نماذجهم الخاص وتكييفها بما يُلبي إحتياجاتهم سواء في تطوير علاجات جديدة أو التوصل إلى مُمارسات زراعية مبتكرة في البلدان ذات الموارد المحدودة، وهذا ما يُمكن تحقيقه من خلال النماذج المفتوحة التي يُمكن تكييفها من خلال إعادة تدريبها على عكس النماذج الأميركية المُغلقة التي تتطلب كُلف باهضة في عملية التدريب. ويتزامن هذا التوجه مع ضخ بكين مئات الملايين من الدولارات في مشاريع البُنية التحتية الرقمية عالمياً بما في ذلك شبكات الإتصالات والكابلات البحرية ومراكز البيانات الخارجية للحوسبة السحابية، وهي إستثمارات توفر أساساً متيناً لمساعدة الصين على نشر تطبيقات الذكاء الإصطناعي حول العالم وبما يسمح للمُطورين بالإستفادة منها. وكلما زاد عدد المُستخدمين للنماذج الصينية كلما كان ذلك على حساب النماذج الأميركية.
قد تبدو الحقيقة واضحة في أنّ السياسة التجارية الصينية المتعلقة بتصدير التكنولوجيا المتقدمة باتت في الواقع جزء من إستراتيجيتها للأمن القومي، حيث تُسيطر الصين على شركات التكنولوجيا الوطنية وتدمجها في نظامها الأمني والسياسي على حساب خصومها، لكن هذا لم يمنع بكين من فتح نوافذ للعالم الخارجي للإفادة من بعض مزايا التكنولوجيا التي تملكها وبما يخدم أغراض قضم الريادة التي تتمتع بها الولايات المتحدة. أيضاً ثمة حقيقة أخرى وهي أنّ الصين قد لا تتمكن بشكل مستمر من حفر خندق حول تقنياتها بحيث تمنع وصولها إلى الآخرين، ومثلما إستفادت بطريقة ما من تكنولوجيا الغرب خلال العقود الماضية لتطوير قدراتها العلمية، سيتمكن الغرب أيضاً من إحداث نقل معكوس للتكنولوجيا بطريقة أو أخرى.
