top of page

التحول في الجغرافيا العالمية للاستثمار الأجنبي المباشر

  • صورة الكاتب: د. عماد مؤيد المرسومي
    د. عماد مؤيد المرسومي
  • 6 أغسطس
  • 3 دقيقة قراءة

تاريخ التحديث: 7 أغسطس


لا تكشف خريطة الإستثمار الأجنبي المباشر عن حركة رؤوس الأموال فحسب، بل تكشف أيضاً عن الكيفية التي يعاد بها رسم مراكز الثقل الإقتصادي في النظام الدولي. فالمستثمر الدولي لا يختار وجهته بناءً على إعتبارات الربحية وحدها، وإنما إستجابة لتحولات أوسع تمس الأمن الإقتصادي، وسلاسل التوريد، والمنافسة بين القوى الكبرى.

تكشف بيانات الإستثمار الأجنبي المباشر الوافد إلى البلدان النامية خلال الفترة (1990–2024) عن تحول واضح في الجغرافيا الاقتصادية العالمية، إذ لم تعد تدفقات الاستثمار تتوزع بصورة متوازنة بين الأقاليم النامية، وإنما أصبحت تتركز بصورة متزايدة في مناطق تمتلك مزيجاً من المقومات الاقتصادية والاستراتيجية التي جعلتها أكثر قدرة على استقطاب رؤوس الأموال الدولية. وتوضح البيانات أن آسيا النامية استحوذت على النصيب الأكبر من الاستثمار طوال معظم الفترة، وبفارق كبير عن بقية الأقاليم، في حين سجلت أمريكا اللاتينية مستويات متوسطة، بينما بقيت شمال أفريقيا وأفريقيا جنوب الصحراء عند مستويات أقل بكثير.


ولا يعكس هذا التفاوت اختلافاً في الموارد الطبيعية فقط، بل يعبر عن اختلاف في القدرة على الاندماج في الاقتصاد العالمي. فمنذ تسعينيات القرن الماضي أصبحت الشركات متعددة الجنسيات تبحث عن الدول التي توفر بيئة إنتاجية متكاملة تشمل البنية التحتية، والعمالة المؤهلة، والاستقرار النسبي، وسهولة الوصول إلى الأسواق العالمية، وهي عوامل توفرت بدرجة أكبر في الاقتصادات الآسيوية مقارنة بمعظم الأقاليم النامية الأخرى.

وتشير الأدبيات الصادرة عن UNCTAD إلى أن آسيا تحولت تدريجياً إلى المركز الرئيس للاستثمار الأجنبي المباشر، ليس فقط بسبب انخفاض تكاليف الإنتاج، وإنما لأنها أصبحت القلب الصناعي لسلاسل القيمة العالمية. فالصين، ثم الهند، ودول جنوب شرق آسيا، لم تعد تستقطب الاستثمار من أجل التصدير فحسب، بل أصبحت أسواقاً استهلاكية ضخمة وقواعد صناعية متقدمة، الأمر الذي جعل الاستثمار فيها يحقق هدفين في آن واحد: الإنتاج والوصول إلى الأسواق. وقد عزز هذا الاتجاه توسع سلاسل القيمة العالمية، وتطور البنية اللوجستية، والسياسات الصناعية النشطة التي اتبعتها العديد من الحكومات الآسيوية. وتؤكد تقارير الاستثمار العالمية الصادرة عن UNCTAD أن آسيا بقيت الوجهة الأكبر لتدفقات الاستثمار الأجنبي نحو الاقتصادات النامية حتى في ظل تباطؤ الاقتصاد العالمي.

في المقابل، تكشف البيانات أن أمريكا اللاتينية احتفظت بجاذبية استثمارية مهمة، لكنها ظلت أكثر تقلباً من آسيا. ويعزى ذلك إلى اعتماد جزء كبير من الاستثمارات على أسعار السلع الأولية، ولا سيما النفط والنحاس والليثيوم والحديد، فضلاً عن تأثر بعض الاقتصادات بعدم الاستقرار السياسي والدورات الاقتصادية المتكررة. ومع ذلك، شهدت بعض دول المنطقة اهتماماً متزايداً في السنوات الأخيرة نتيجة الطلب العالمي على المعادن المستخدمة في التحول نحو الطاقة النظيفة، إضافة إلى توجه بعض الشركات إلى إعادة توزيع سلاسل الإنتاج بالقرب من السوق الأمريكية ضمن إستراتيجيات Nearshoring.

أما أفريقيا، فتبرز البيانات إستمرار الفجوة بينها وبين آسيا وأميركا اللاتينية، رغم امتلاكها موارد طبيعية ضخمة. ويعود ذلك إلى أن الاستثمار الأجنبي لم يعد يتجه بصورة أساسية إلى الدول الغنية بالموارد، بل إلى الدول القادرة على توفير بيئة أعمال مستقرة ومؤسسات فعالة وبنية تحتية مناسبة. ومع ذلك، بدأت بعض الإقتصادات الأفريقية تجذب إستثمارات متزايدة في مجالات التعدين، والمعادن الحرجة، والطاقة المتجددة، مدفوعة بالتحول العالمي نحو الاقتصاد الأخضر، وهو ما تشير إليه تقارير البنك الدولي وUNCTAD.

وتكتسب منطقة شمال أفريقيا أهمية خاصة بوصفها حلقة وصل بين أوروبا وأفريقيا والشرق الأوسط. فقد عزز موقعها الجغرافي، إلى جانب اتفاقيات التجارة مع الاتحاد الأوروبي، من جاذبيتها في قطاعات الصناعة والطاقة والخدمات اللوجستية. كما أدى الاهتمام الأوروبي بتنويع مصادر الطاقة بعد الحرب الروسية–الأوكرانية إلى زيادة الاهتمام بالاستثمار في مشروعات الطاقة والبنية التحتية في بعض دول المنطقة، ولا سيما في مجالات الغاز الطبيعي والهيدروجين الأخضر.

وتكشف البيانات أيضاً أن أولويات المستثمرين الدوليين شهدت تحولاً نوعياً. ففي العقود السابقة كان القرار الاستثماري يعتمد بدرجة كبيرة على انخفاض تكاليف الإنتاج، أما اليوم فقد أصبحت عوامل مثل أمن سلاسل التوريد، والاستقرار الجيوسياسي، والأمن الاقتصادي، والقدرة على إنتاج التكنولوجيا، وتوافر المعادن الحرجة والطاقة عناصر أساسية في تحديد وجهة الاستثمار. وقد تسارع هذا التحول بعد جائحة كوفيد-19 والحرب الروسية–الأوكرانية، حيث أعادت الشركات متعددة الجنسيات تقييم مواقع الإنتاج، واتجهت إلى تنويع قواعدها الصناعية وتقليل الاعتماد على دولة واحدة، فيما عُرف باستراتيجيات Friend-shoring وChina+1 وNearshoring. وتؤكد تقارير UNCTAD أن الاستثمار العالمي أصبح أكثر ارتباطاً بالمرونة الجيوسياسية والأمن الاقتصادي، وليس فقط بمعدلات العائد المالي.

وفي ضوء هذه المعطيات، فإن البيانات لا تعكس مجرد اختلاف في أحجام الاستثمار بين الأقاليم، بل تكشف إعادة تشكيل الخريطة الاقتصادية العالمية. فقد أصبحت جاذبية الاستثمار ترتبط بقدرة الدول على الاندماج في سلاسل القيمة العالمية، وتوفير بيئة مستقرة للإنتاج، والاستجابة للتحولات التكنولوجية والجيوسياسية. ومن ثم، فإن الاستثمار الأجنبي المباشر لم يعد مجرد مؤشر اقتصادي، بل أصبح مؤشراً على المكانة الاستراتيجية للدول والأقاليم في النظام الدولي، حيث تتجه رؤوس الأموال بصورة متزايدة نحو الاقتصادات التي تجمع بين الكفاءة الاقتصادية والأهمية الجيوسياسية.

كل ما تقدم ذكره يُسلط الضوء على فكرة ذات دلالة إستراتيجية وهي أن التحول في توزيع الاستثمار الأجنبي المباشر بين الأقاليم النامية يعكس إنتقال معايير الجاذبية الاستثمارية من الاعتماد على انخفاض التكاليف والموارد الطبيعية إلى الاعتماد على الموقع داخل سلاسل القيمة العالمية، والاستقرار المؤسسي، والأمن الاقتصادي، والأهمية الجيوسياسية

 
 
bottom of page