top of page

سلاسل الإمداد وامن الطاقة في إهتمامات الصين

  • صورة الكاتب: د. عماد مؤيد المرسومي
    د. عماد مؤيد المرسومي
  • 6 أغسطس
  • 3 دقيقة قراءة

من خلال متابعة البيانات الخاصة بعدد المرات التي وردت فيها مصطلحات سلاسل التوريد وأمن الطاقة في الخطاب السياسي للرئيس شي جين بينغ يتبين لنا أنّ أولويات القيادة الصينية شهدت تحولاً واضحاً خلال العقد الأخير، بإنتقالها من التركيز على أمن الطاقة بوصفه شرطاً لإستمرار التنمية الاقتصادية، إلى التركيز المكثف على أمن سلاسل التوريد باعتباره ركناً أساسياً للأمن القومي.


وتعكس القفزة الكبيرة في استخدام مصطلح "سلاسل التوريد" بعد عام 2020 تأثير الحرب التجارية مع الولايات المتحدة وجائحة كوفيد-19، اللتين كشفتا هشاشة الإعتماد على الشبكات الإنتاجية العالمية. ومن ثم، لم تعد بكين تنظر إلى الطاقة والتجارة باعتبارهما مجالين إقتصاديين منفصلين، بل أعادت دمجهما ضمن مفهوم أوسع للأمن الاقتصادي، يقوم على العمل على تعزيز الإكتفاء الذاتي، والتحكم في سلاسل القيمة، وتقليص قابلية الإقتصاد الصيني للتعرض للضغوط الخارجية. ويشير هذا التحول إلى أنّ المنافسة بين القوى الكبرى لم تعد تدور حول الوصول إلى الموارد فقط، بل حول السيطرة على البنى التي تنقل الموارد والتكنولوجيا والإنتاج عبر الاقتصاد العالمي.

في السنوات الأولى، يظهر أن مصطلح أمن الطاقة ورد بوتيرة أعلى من مصطلح سلاسل التوريد، ولا سيما في عامي 2013 و2014. ويتوافق ذلك مع مرحلة كان فيها إهتمام بكين منصباً على ضمان إمدادات مستقرة من النفط والغاز لدعم النمو الاقتصادي السريع، وتقليل هشاشة الإعتماد على الواردات البحرية، خصوصاً عبر مضيق ملقا، وهو ما عُرف في الأدبيات الصينية بـ"معضلة ملقا". كما ارتبط هذا التوجه بإطلاق مبادرة الحزام والطريق عام 2013، التي هدفت، من بين أهدافها، إلى تنويع طرق الإمداد بالطاقة وتعزيز الترابط مع الدول المنتجة. خلال هذه المرحلة، كان أمن الطاقة يُنظر إليه بوصفه شرطاً لاستمرار التنمية الاقتصادية، وليس بعداً منفصلاً عن الأمن القومي.

تمثل بيانات عام 2020 نقطة التحول الأكثر أهمية في السلسلة الزمنية. فقد قفز عدد مرات استخدام مصطلح سلاسل التوريد من 19 مرة في 2019 إلى 137 مرة في 2020، وهو أعلى مستوى في جميع السنوات، بينما بقي الحديث عن أمن الطاقة محدوداً نسبياً.

هذه القفزة ليست مصادفة، بل تتزامن مع حدثين مفصليين:

  • الحرب التجارية والتكنولوجية مع الولايات المتحدة خلال رئاسة ترامب الأولى.

  • جائحة كوفيد-19، التي كشفت هشاشة سلاسل الإمداد العالمية.

في هذا السياق، بدأ شي جين بينغ يروج بقوة لاستراتيجية "التداول المزدوج" (Dual Circulation)، التي هدفت إلى تعزيز الدورة الاقتصادية الداخلية مع الإبقاء على الانفتاح الخارجي، مع التركيز على بناء سلاسل توريد "آمنة وقابلة للسيطرة" وتقليل الاعتماد على الخارج في التقنيات والمدخلات الحيوية.

وهنا تغير تعريف الأمن في الخطاب الصيني؛ فلم يعد النفط وحده مصدر القلق، بل أصبحت الرقائق الإلكترونية، والمعادن النادرة، والمكونات الصناعية، واللوجستيات العالمية جزءاً من مفهوم الأمن القومي.

في عامي 2021 و2022 تصاعد الحديث عن المصطلحين معاً، لكن اللافت للنظر أن أمن الطاقة سجل أعلى قيمة له في السلسلة عام 2022 (56 مرة)، بينما بقيت سلاسل التوريد عند مستوى مرتفع (109 مرات).

ويعكس ذلك تزامن ثلاثة تطورات:

  • استمرار آثار الجائحة على التجارة العالمية.

  • أزمة الطاقة العالمية بعد الحرب الروسية–الأوكرانية.

  • تصاعد القيود الأمريكية على التكنولوجيا الصينية.

وقد أدى ذلك إلى دمج مفهومي أمن الطاقة وأمن سلاسل التوريد داخل إطار أوسع هو الأمن الاقتصادي الوطني، حيث أصبحت بكين تنظر إلى الطاقة، والمواد الخام، والتكنولوجيا، وسلاسل الإنتاج باعتبارها حلقات مترابطة في منظومة واحدة. ويؤكد ذلك أيضاً نشر كتاب رسمي يجمع خطابات شي جين بينغ حول الأمن الوطني للطاقة عام 2024، بما يعكس المكانة المركزية لهذا الملف في الفكر الإستراتيجي الصيني.

ومع أنّ عدد مرات تكرار المصطلحين شهد تراجعاً في عامي 2023 و2024، لكن هذا لا يعني تراجع الاهتمام بهما، بل قد يكون مؤشراً على أن هذه المفاهيم أصبحت جزءاً مستقراً من التفكير الاستراتيجي الصيني، ولم تعد بكين تنظر إلى سلاسل التوريد باعتبارها بنية اقتصادية فقط، بل باعتبارها أداة ردع ونفوذ جيوسياسي. فكلما إزدادت مركزية الصين في سلاسل الإنتاج العالمية، إرتفعت قدرتها على مقاومة الضغوط الخارجية واكتساب أوراق قوة في المنافسة مع الولايات المتحدة.


 
 
bottom of page