لا ينبغي النظر إلى البيانات المتعلقة بطلبات اللجوء في أوروبا بوصفها مؤشراً على حركة الهجرة فقط، بل باعتباره مؤشراً على مستوى الاضطراب الجيوسياسي المحيط بأوروبا. فطلبات اللجوء لا ترتفع أو تنخفض بمعزل عن الحروب والانهيارات السياسية وسياسات الحدود، ولذلك فإن المنحنى يعكس في كثير من الأحيان تطور البيئة الأمنية أكثر مما يعكس تحركات السكان وحدها.
أولاً: أزمة اللجوء الكبرى (2015–2016)
تمثل هذه الفترة أعلى مستوى في السلسلة الزمنية، حيث تجاوز عدد الطلبات 1.2 مليون طلب في عام 2015. ويعود ذلك بصورة رئيسة إلى الحرب السورية، وتدهور الأوضاع الأمنية في العراق وأفغانستان، وفتح طريق البلقان الذي سمح بوصول أعداد كبيرة من طالبي اللجوء إلى أوروبا. وتحولت الهجرة في تلك المرحلة من قضية إنسانية إلى قضية أمن قومي وسياسة داخلية، وأعادت تشكيل النقاش السياسي الأوروبي بشأن الحدود والهوية ومستقبل اتفاقية شنغن.
ثانياً: مرحلة الاحتواء (2017–2019)
يكشف الانخفاض الحاد بعد عام 2016 أن التراجع لم يكن نتيجة انتهاء الصراعات، بل نتيجة تغير سياسات إدارة الهجرة. فقد أسهم الاتفاق بين الاتحاد الأوروبي وتركيا، وتشديد الرقابة على الحدود الخارجية، وتعزيز التعاون مع دول العبور، في تقليص أعداد الوافدين. وهذا يعني أن السياسة الأوروبية لم تُزل أسباب اللجوء، وإنما رفعت كلفة الوصول إلى أوروبا، وهو ما انعكس مباشرة على عدد الطلبات الجديدة.
ثالثاً: أثر جائحة Covid-19
يمثل عام 2020 نقطة استثنائية في السلسلة، إذ انخفض عدد الطلبات إلى نحو 417 ألفاً، وهو أدنى مستوى خلال العقد. ويعكس هذا التراجع تأثير القيود العالمية على السفر وإغلاق الحدود أكثر مما يعكس تحسناً في الأوضاع الأمنية في الدول المصدرة للهجرة. وبمجرد تخفيف القيود، عادت الأعداد إلى الارتفاع، مما يؤكد أن دوافع النزوح كانت لا تزال قائمة.
رابعاً: عودة الضغوط الجيوسياسية (2021–2023)
تكشف البيانات عن موجة صعود جديدة بلغت ذروتها في عام 2023 بأكثر من مليون طلب لأول مرة منذ أزمة 2015–2016. ويرتبط هذا الارتفاع بتزامن عدة أزمات: استمرار عدم الاستقرار في أفغانستان، وتدهور الأوضاع في سوريا، وتصاعد الصراعات في إفريقيا، إلى جانب تأثيرات الحرب الروسية–الأوكرانية على البيئة الأمنية الأوروبية. ومن المهم الإشارة إلى أن معظم النازحين الأوكرانيين حصلوا على حماية مؤقتة بموجب آلية خاصة، ولذلك فإن هذه الأرقام لا تمثل جميع الفارين من الحرب، بل طلبات اللجوء الأولى فقط.
خامساً: التراجع في 2024–2025
يظهر الرسم انخفاضاً واضحاً بعد ذروة 2023، إذ تراجعت الطلبات إلى نحو 912 ألفاً في 2024، ثم إلى أقل من 670 ألفاً في 2025. ومن الصعب تفسير هذا الانخفاض بأنه دليل على تراجع الأزمات الدولية؛ فالصراعات في السودان، والقرن الإفريقي، وأجزاء من الشرق الأوسط استمرت خلال هذه الفترة. والأرجح أن الانخفاض يعكس تشديداً متزايداً في سياسات اللجوء والحدود، وتسارع تنفيذ ميثاق الهجرة واللجوء الأوروبي، وتوسيع التعاون مع دول العبور، إلى جانب تغير مسارات الهجرة.