top of page

الهجمات الروسية على أوكرانيا بالطائرات المُسيرة

  • صورة الكاتب: د. عماد مؤيد المرسومي
    د. عماد مؤيد المرسومي
  • 6 أغسطس
  • 2 دقيقة قراءة

من خلال مراجعة البيانات، وبالاستناد إلى الأدبيات الصادرة عن مراكز مثل CSIS، وRUSI، وISW، وIISS حول الحرب في أوكرانيا، يمكن استخلاص تحليل جيوسياسي يكشف عن التحول البنيوي في العقيدة الهجومية الروسية. هذا يعني أن البيانات يتم تحليلها في ضوء التحول في العقيدة العسكرية، والاقتصاد الحربي، والقدرة الصناعية، وليس باعتبارها مؤشرات كمية معزولة.



تكشف البيانات أن الحملة الروسية لم تشهد نمواً خطياً، بل مرت بثلاث مراحل استراتيجية مختلفة، تعكس تطوراً في طريقة استخدام القوة الجوية بعيدة المدى أكثر مما تعكس مجرد زيادة في عدد الإطلاقات.


المرحلة الأولى: البحث عن أداة منخفضة الكلفة (سبتمبر 2022 – منتصف 2023)

في بداية استخدام طائرات شاهد 131 و136، كانت الأعداد محدودة نسبياً. فقد بدأت روسيا باستخدامها على نطاق ضيق، ثم ارتفعت تدريجياً خلال الأشهر التالية، بينما بقي إجمالي الضربات أقل بكثير مما أصبح عليه لاحقاً.

هذا النمط يتفق مع ما أشارت إليه دراسات مراكز إستراتيجية مثل RUSI وCSIS، التي رأت أن روسيا كانت تختبر إدماج الطائرات المسيّرة الإيرانية ضمن منظومة الضربات الروسية لتعويض النقص النسبي في الصواريخ الدقيقة، وخفض كلفة استهداف البنية التحتية الأوكرانية. في هذه المرحلة لم تكن الطائرات المسيّرة بديلاً عن الصواريخ، بل مكملاً لها.


المرحلة الثانية: التحول إلى الإنتاج الكمي (النصف الثاني من 2023 – نهاية 2024)

تظهر البيانات نقطة تحول واضحة خلال عام 2024. فبعد أن كانت الهجمات الشهرية تُقاس بالمئات، بدأت تُقاس بالآلاف، وارتفعت هجمات شاهد بصورة متسارعة. وهذا لا يمثل مجرد زيادة عملياتية، بل يعكس تحولاً في القاعدة الصناعية العسكرية الروسية.

تشير تقارير استخباراتية ودراسات غربية إلى أن روسيا لم تعد تعتمد فقط على استيراد الطائرات الإيرانية، بل بدأت إنتاج نسخ محلية في منشآت مثل ألابوغا (Alabuga)، مما رفع القدرة الإنتاجية وخفف القيود اللوجستية. وبذلك انتقلت روسيا من استخدام الطائرات المسيّرة كسلاح تكميلي إلى استخدامها كسلاح رئيس في حملة الاستنزاف.


المرحلة الثالثة: اقتصاد الاستنزاف (2025–2026)

التحول الأكبر يظهر في بيانات عامي 2025 و2026. فقد أصبحت الضربات الشهرية تتجاوز خمسة آلاف، ثم وصلت في بعض الأشهر إلى ما يقارب ثمانية آلاف هجوم، بينما أصبحت طائرات شاهد تشكل الجزء الأكبر من إجمالي الضربات. هذه القفزة لا يمكن تفسيرها فقط بتصعيد عسكري، بل تشير إلى تغير في فلسفة استخدام القوة.

فبدلاً من الاعتماد على عدد محدود من الصواريخ الباهظة الثمن لضرب أهداف عالية القيمة، أصبحت روسيا تستخدم أعداداً ضخمة من الطائرات المسيّرة منخفضة الكلفة لإجبار الدفاعات الجوية الأوكرانية على استهلاك صواريخ اعتراض مرتفعة الكلفة، وإبقاء المدن والبنية التحتية تحت ضغط مستمر. وهذا يعكس انتقال الحرب إلى اقتصاد الاستنزاف، حيث يصبح العامل الحاسم هو القدرة على الإنتاج المستمر أكثر من امتلاك السلاح الأكثر تطوراً.

من منظور جيوسياسي، تعكس هذه البيانات تحولاً أوسع من مجرد تطور تكتيكي. فروسيا لم تعد تراهن على تحقيق حسم سريع، وإنما على إدارة حرب طويلة الأمد تعتمد على التفوق في القدرة الإنتاجية واستنزاف الموارد الغربية الداعمة لأوكرانيا.

كما تكشف البيانات أن الحرب تحولت تدريجياً إلى منافسة بين القدرات الصناعية، وليس فقط بين الجيوش. وأصبح السؤال الرئيس: أي طرف يستطيع إنتاج الذخائر والطائرات المسيّرة واعتراضها بوتيرة أعلى ولمدة أطول؟

 
 
bottom of page